المطلب الأول: حكم الاجتهاد في القبلة:
أكثر ما يحتاج المصلي لمعرفة القبلة في الأسفار، والمواطن التي ليس بها مساجد، ونحو ذلك، ففي هذه الحالة يلزم المصلي البحث والاجتهاد لمعرفة الجهة التي تقع فيها القبلة ليتمكن من التوجه إليها في صلاته، والدليل على وجوب التحري: ما روى عامر بن ربيعة أنه قال: (كنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلم، فنزلت: {فأينما تولوا فثَمَّ وجه الله} [1] .
والفقهاء لم يختلفوا في وجوب الاجتهاد من حيث الجملة على من خفيت عليه القبلة، يقول الإمام النووي: (إذا لم يعرف الغائب عن أرض مكة القبلة ولم يجد محرابًا ولا من يخبره على ما سبق لزمه الاجتهاد في القبلة ويستقبل ما أدى إليه اجتهاده) [2] .
وقال المرغيناني: (فإن اشتبهت عليه القبلة وليس بحضرته من يسأله عنها اجتهد وصلى؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم تحروا وصلوا ولم ينكر عليهم رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولأن العمل بالدليل الظاهر واجب عند انعدام دليل فوقه) [3] .
وينقل الإمام ابن عبد البر الإجماع على بطلان صلاة من صلى إلى غير القبلة من غير اجتهاد ولا تحري لأدلة القبلة فيقول: (وأجمعوا على أنه من صلى إلى غير القبلة من غير اجتهاد حمله على ذلك أن صلاته غير مجزئة عنه، وعليه إعادتها إلى القبلة) [4] .
المطلب الثاني: الانحراف المبني على اجتهاد مشروع:
إذا اجتهد الشخص لمعرفة القبلة بما هو متاح من أدلة القبلة، وصلى بناء على ذلك الاجتهاد وتبين له خطؤه في إصابة القبلة؛ فهل يلزمه إعادة الصلاة أم تمضي صلاته على الصحة لاجتهاده؟
للفقهاء في المسألة تفصيل:
فالحنفية والحنابلة يرون أن من خفيت عليه القبلة وتحرى ثم ظهر له خطؤه وهو في الصلاة استدار إلى الجهة التي انتهى إليها تحريه، وبنى عليها ولا تبطل صلاته، فلو صلى كل ركعة لجهة جاز، وإن كان بعد الصلاة صلى الصلاة القادمة، ولا إعادة عليه لما مضى، لإتيانه بما في وسعه [5] .
(1) سورة البقرة آية (115) .
(2) مجموع النووي (3/ 205) .
(3) الهداية شرح البداية للميرغني (1/ 45) .
(4) التمهيد لابن عبد البر (17/ 54) .
(5) حاشية ابن عابدين (1/ 433) البحر الرائق لابن نجيم (305/ 1) شرح العمدة لابن تيمية (1/ 549) .