الكعبة، وهم يصلون إليها وإلى جهتها أيضًا، فإذا بعد الناس عنها كانوا مصلين إلى جهتها وهم مصلون إليها أيضًا، ولو كان الصف طويلًا يزيد طوله على قدر الكعبة صحت صلاتهم باتفاق المسلمين، وإن كان الصف مستقيمًا حيث لم يشاهدوها.
5 -ومن المعلوم أنه لو سار من الصفوف على خط مستقيم إليها لكان ما يزيد على قدرها خارجا عن مسافتها، فمن توهم أن الفرض أن يقصد المصلي الصلاة في مكان لو سار على خط مستقيم وصل إلى عين الكعبة فقد أخطأ، ومن فسر وجوب الصلاة إلى العين بهذا، وأوجب هذا فقد أخطأ، وإن كان هذا قد قاله قائل من المجتهدين، فهذا القول خطأ مخالف نص الكتاب والسنة وإجماع السلف؛ بل وإجماع الأمة، فإن الأمة متفقة على صحة صلاة الصف المستطيل الذي يزيد طوله على سمت الكعبة بأضعاف مضاعفة، وإن كان الصف مستقيمًا لا انحناء فيه ولا تقوس.
6 -فإن قيل: مع البعد لا يحتاج إلى الانحناء والتقوس كما يحتاج إليه في القرب، كما أن الناس إذا استقبلوا الهلال أو الشمس أو جبلًا من الجبال فإنهم يستقبلونه مع كثرتهم وتفرقهم، ولو كان قريبًا لم يستقبلوه إلا مع القلة والاجتماع قيل: لا ريب أنه ليس الانحناء والتقوس في البعد بقدر الانحناء والتقوس في القرب؛ بل كلما زاد البعد قل الانحناء، وكلما قرب كثر الانحناء؛ حتى يكون أعظم الناس انحناء وتقوسًا الصف الذي يلي الكعبة ولكن مع هذا فلا بد من التقوس والانحناء في البعد إذا كان المقصود أن يكون بينه وبينها خط مستقيم بحيث لو مشى إليه لوصل إليها؛ لكن يكون التقوس شيئًا يسيرًا جدًا، كما قيل إنه إذا قُدر الصف ميلًا وهو مثلًا في الشام؛ كان الانحناء من كل واحد بقدر شعيرة، فإن هذا ذكره بعض من نص على وجوب استقبال العين، وقال: إن مثل هذا التقوس اليسير يعفى عنه، فيقال له: فهذا معنى قولنا: إن الواجب استقبال الجهة، وهو العفو عن وجوب تحري مثل هذا التقوس والانحناء فصار النزاع لفظيًا لا حقيقة له.
7 -فالمقصود أن من صلى إلى جهتها فهو مصلٍ إلى عينها وإن كان ليس عليه أن يتحرى مثل هذا، ولا يقال لمن صلى كذلك أنه مخطئ في الباطن معفو عنه؛ بل هذا مستقبل القبلة باطنًا وظاهرًا، وهذا هو الذي أُمر به؛ ولهذا لما بنى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مساجد الأمصار كان في بعضها ما لو خرج منه خط مستقيم إلى الكعبة لكان منحرفًا، وكانت صلاة المسلمين فيه جائزة باتفاق المسلمين.
8 -ويدل على ذلك أنه لو قيل بأن على الإنسان أن يتحرى أن يكون بين وسط أنفه وجبهته وبينها خط مستقيم قيل فلا بد من طريق يعلم بها ذلك؛ فإن الله لم يوجب شيئًا إلا وقد نصب على العلم به دليلًا، ومعلوم أن طريق العلم بذلك لا يعرفه إلا خاصة الناس، مع اختلافهم فيه، ومع كثرة الخطأ في ذلك، ولو طولبوا بدليله رجعوا إلى مقدمات غير معلومة، وأخبار من لا يوثق بخبره، والذين ذكروا بعض ذلك من الفقهاء إنما تلقوه عن هؤلاء ولم يحكموه.
ووجوب استقبال القبلة عام لجميع المسلمين فلا يكون العلم الواجب خفيًا لا يعلم إلا بطريق طويلة صعبة مخوفة، مع تعذر العلم بذلك أو تعسره في أغلب الأحوال، ومثل هذا لا ترد به الشريعة، ولهذا أنكر الإمام أحمد على من أمر بمراعاة ذلك، وأمر أن لا تعتبر القبلة بالجدي، وقال: ليس في الحديث ذكر الجدي؛ ولكن ما بين المشرق