والمغرب قبلة، وهو كما قال؛ فإنه لو كان تحديد القبلة بذلك واجبًا أو مستحبًا لكان الصحابة أعلم بذلك وإليه أسبق [1] .
وما ذكره الإمام ابن تيمية، ذكر قريبًا منه إمام الحرمين الجويني فقال: (ظهر اختلاف أئمتنا في أن مطلوب المجتهد عين الكعبة أو جهتها، وهذا فيه إشكال؛ فإن المجتهد إذا كان على مسافة بعيدة، فكيف يتأتى منه إصابةُ مسامتة عين الكعبة؟ وكيف يقدر ذلك مطلوبًا لطالب؟ والطلب إنما يتعلّق بما يمكن الوصول إليه، - ثم قال - فالوجه في ذلك عندي أن يقال: من اقترب في المسجد الحرام من الكعبة، فإنه يصير منحرفًا عنها بأدنى ميل وانحراف، بحيث يُقطع بأنه ليس مستقبلها، وإذا وقف في أخريات المسجد، فيختلف اسم الاستقبال اختلافًا بينًا، ولذلك لا يصطف في المطاف ثلاثون إلا ويخرج بعضهم عن مسامتة الكعبة، ويصطف في مؤخر المسجد ألف، ويسمى كل واحد منهم مستقبلًا، وقد تمهد أن التعويل على الاسم، فلا يسوغ تخيل غيره؛ فإن الخلق لو كُلِّفوا مُقابلة لو مَشَوْا على خطوط مستقيمة من مواقفهم، لاتصلت أجسادهم بالكعبة، لكان ذلك تكليف ما لا يطاق، ثم إذا تجدّد العهد بهذا، فالذي يقف بعيدًا في المسجد، لو انحرف أدنى انحراف لا يخرج عن اسم المستقبل، وإن كان لو انحرف كذلك في المطاف، لكان مائلًا عن المسامتة، فإذا لاح ذلك فيمن يبعد في المسجد بعضَ البعد، فهو فيمن يقطن طرفَ الشرق والغرب أظهر وأبين) [2] .
هذا محصل ما قاله الإمامان الجويني وابن تيمية رحمهما الله، وكأنهما أرادا الجمع بين القولين باعتبار أن استقبال القبلة يشترك فيه من صلى إلى عينها ومن توجه إلى سمتها بحيث لا يعد منحرفًا عنها وأن الجميع يشمله اسم الاستقبال، وعلى هذا دلت النصوص وبه أفتى الصحابة رضي الله عنهم، وعليه جرت أعمالهم حينما بنوا المساجد في الأمصار، وإجماع العلماء على أن الانحراف اليسير لا يضر، وأن الصف الطويل البعيد لا يجب فيه التقوس ولا الانحناء، مع يقين خروجه عن عين القبلة دال على أن الفرض هو استقبال سمت القبلة وتولية الوجه شطر المسجد الحرام.
المطلب الرابع: نظرات على مذاهب العلماء في المسألة:
بعد التأمل وتقليب النظر في أدلة الفريقين وكلامهم فإني سأوجز ملاحظاتي في النقاط الآتية:
1 -لا يخفى أن معنى"شطر المسجد الجرام"هو جهته ونحوه، ولم يختلف العلماء في ذلك، وقد ذكر غير واحد عن أبي إسحاق قوله: الشطر النحو، لا اختلاف بين أهل اللغة فيه [3] .
وعلى هذا فليس في الآية دليل على قصد عين الكعبة للبعيد، والقول بأن إطلاق الجهة على العين حقيقة لغوية غير معروف، ولا منقول عن أهل اللغة، واستعمال الشارع في جملة أحاديث الباب ترده ومنها: (ما بين المشرق
(1) مجموع الفتاوى (307 - 309) .
(2) نهاية المطلب دراية المذهب في للجويني (2/ 103 - 104) .
(3) انظر: لسان العرب لابن منظور (4/ 409) معجم مقاييس اللغة لابن قارس (3/ 188) تهذين اللغة للأزهري (11/ 211) .