والمغرب قبلة)، ومع هذا يقول الزركشي الشافعي في خادم الروضة: (ليس المراد بالعين الجدار، بل أمر اصطلاحي، وهو سمت البيت وهواؤه إلى السماء السابعة والأرض السابعة) [1] .
2 -ذكر"الشطر"في الآية له فائدة، وهي توجه المصلي إلى الجهة وليس العين، لأنه لو قال:"فول وجهك المسجد الحرام"، لزم تكليف ما لا يطاق، لأن مَنْ في أقصى المشرق أو المغرب لا يمكنه أن يولي وجهه المسجد، أما إذا قال: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَام} ، أي جانب المسجد، دخل فيه الحاضرون والغائبون. [2] .
3 -في ذكر المسجد الحرام دون ذكر الكعبة، دلالة على أن الذي يجب هو مراعاة جهة الكعبة، لا مراعاة عينها [3] . والمسجد الحرام يعم الحرم كله في الأصل، كما في قوله تعالى: (فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) [4] وليس ذلك مختصًا بالكعبة [5] ، ويؤيد هذا الأثر المروي عن ابن عباس: (البيتُ قبلةٌ لأهل المسجد والمسجدُ قبلةٌ لأهل الحرم، والحرمُ قبلةٌ لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي) [6] ، فمن استقبل المسجد الحرام فقد أتى بما أُمر به.
4 -حديث ابن عباس السابق قال: لما دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال: (هذه القبلة) [7] ، هذه اللفظة فسرت بأكثر من معنى:
-منها: أن أمر القبلة قد استقر على هذا البيت فلا ينسخ بعد اليوم، فصلوا إليه أبدًا فهو قبلتكم. [8]
-ومنها: أنه أراد أن يعلمهم سنة موقف الإمام، وأنه يقف في وجهها دون أركانها، وإن كانت الصلاة في جميع جهاتها مجزئة [9] .
-ومنها: أن يكون دل به على أن حكم من شاهد البيت وعاينه في استقباله حسًا خلاف حكم من غاب عنه، فيصلي إليه توخيًا واستدلالًا [10] .
-ومنها: أن القبلة المأمور باستقبالها هي البنية كلها، ولئلا يتوهم متوهم أن استقبال بعضها كافٍ في الفرض؛ لأنه صلى التطوع بداخلها ثم قال: (هذه القبلة) [11] .
(1) ، حاشيته الجمل على المنهج لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري (2/ 119) .
(2) ، تفسير الرازي (1/ 643) .
(3) البحر المحيط لأبي حيان (2/ 24) .
(4) سورة التوبة آية (28)
(5) مجموع فتاوى ابن تيمية (22/ 207) .
(6) السنن الكبرى للبيهقي حديث رقم (2066) وضعفه.
(7) صحيح البخاري، أبواب القبلة، باب قول الله تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} رقم (389) صحيح مسلم، كتاب الحج، باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره والصلاة فيها والدعاء في نواحيها كلها، رقم (1330) .
(8) ذكره الإمام الخطابي في كتابه: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (5/ 157) .
(9) ينظر: شرح السنة للبغوي (2/ 334) فتح الباري لابن رجب ـ (2/ 307) .
(10) ذكره الحافظ ابن رجب في فتح الباري (2/ 307) والعيني في عمدة القاري شرح صحيح البخاري (6/ 358) .
(11) حاشية الروض المربع لابن قاسم العاصمي (1/ 546) .