فعلى هذا ليس فيه دلالة على أنه أراد حصر القبلة في الكعبة، بل أراد بيان قبلة المصلي لمن كان مشاهدًا لها، علما أن الإمام النووي رحمه الله أبدى معنى آخر محتملًا وهو (أن هذه الكعبة هي المسجد الحرام الذي أمرتم باستقباله، لا كل الحرم ولا مكة ولا المسجد الذي حول الكعبة، بل هي الكعبة نفسها فقط) [1] ، قال ابن رجب: (وقول الخطابي أصح من هذا. والله أعلم) [2] .
ولعل الأقرب هو التفسير الثاني وأنه بيان لموقف الإمام في مواجهة الباب، قال الحافظ: (ويؤيده ما رواه البزار من حديث عبد الله بن حبشي الخثعمي قال:"رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى باب الكعبة وهو يقول: أيها الناس، إن الباب قبلة) [3] ."
5 -السادة الشافعية القائلون بوجوب استقبال عين القبلة لا يوجبون أن يكون بين وسط أنفه وجبهته ما لو خرج خط مستقيم وصل الى جدار الكعبة، بل صرحوا أن المراد هو تحري ما يغلب على الظن أنه مستقبل لعين الكعبة، وهو ما عبروا عنه بالاستقبال العرفي، وليس بالضرورة أن يصيب جدارها لما ذلك من العسر، وإليك بعض نصوصهم في ذلك:
-قال إمام الحرمين الجويني: (ونحن على قطعٍ نعلم أن حقيقة المحاذاة -نفيًا وإثباتًا- لا تختلف بالقرب والبعد، ولكن المتبَع في ذلك وفي نظائره حكم الإطلاق والتسمية، لا حقيقة المسامتة) [4] .
-قال الإمام شمس الدين الرملي في نهاية المحتاج: (ومعناه أن يكون بحيث يعد عرفًا أنه متوجه إلى عين الكعبة، كما حققه الإمام في النهاية) [5] .
-وفي حاشية الشيخ أحمد الرشيدي على تحفة المحتاج: (المتعين الاكتفاء بالمسامتة العرفية التي قال بها إمام الحرمين) [6] .
-وعن ابن حجر في العباب: ( ... فتعين أن المعتبر فيه حكم الإطلاق لا حقيقة المسامتة، فمتى أطلق عليها اسم الاستقبال عند البعد صحت صلاته، وإن كان لو قرب خرج عن السمت، إذ يعد في العرف محاذيا لها) [7] .
ومما سبق نقله يتبين أنه مع البعد تتسع المسامتة وبالتالي يصير الفرض في الاستقبال ما يصدق عليه وصف المسامتة باعتبار العرف، لا باعتبار الحقيقة، وهذا يؤدي في مفهومه إلى تصور استقبال يميل إلى انحراف معين عن المسامتة الحقيقية للكعبة.
(1) المجموع للنووي (3/ 191) .
(2) فتح الباري لابن رجب (2/ 307)
(3) فتح الباري لابن حجر- بتعليق ابن باز (1/ 502) .
(4) نهاية المطلب في دراية المذهب للجويني (2/ 88) .
(5) نهاية المحتاج للرملي (3/ 437) وانظر كذلك حاشية الجمل (3/ 155) .
(6) حاشيته على تحفة المحتاج بشرح المنهاج للرشيدي (1/ 172) .
(7) نقله عنه في شرح البهجة الوردية (3/ 158) .