وسار أتباع الأنبياء يقتفون خطى أنبيائهم, فقد قال ابن الزبير رضي الله عنهما: (إن هذا البيت كان يحجه من بني إسرائيل سبعمائة ألف، يضعون نعالهم بالتنعيم، ثم يدخلون حفاة؛ تعظيما له) [1] .
وتتابعت القلوب على ما فطرت عليه تعظيمًا وإجلالًا لهذا البيت حتى بعدما اندرست النبوة, وخفيت معالمها، وغلبت الجاهلية، فكانت العرب تعظم البيت الحرام، ولا تطوف فيه بثياب عصت الله فيها، فكان الرجل من القبائل غير الحمس إذا قدم الحرم حاجًا أو معتمرًا لا يطوفوا بالبيت إلا في ثياب الحمس - وهم قريش وحلفاؤها - فإن لم يجدوا طافوا بالبيت عراة، فإن أنف أحد من عظمائهم أن يطوف عريانًا إذا لم يجد ثياب الحمس فطاف في ثيابه ألقاها إذا فرغ من الطواف، ولا يمسها هو ولا أحد غيره وكانوا يسمونها اللقى [2] .
ولما أرادت قريش تجديد عمارة البيت الحرام بعد ما تهدم تواصوا فيما بينهم ألا يدخلوا فيه مالًا حرامًا من ربا، أو مهر بغي، ولا مظلمة أحد من الناس، كما ذكر ابن إسحاق في السيرة عن عبد الله بن أبي نجيح أنه أخبر عن عبد الله بن صفوان بن أمية أن أبا وهب بن عابد بن عمران بن مخزوم وهو جد جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي قال لقريش: (لا تدخلوا فيه من كسبكم إلا الطيب، ولا تدخلوا فيه مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس) [3] .
كل ذلك لتعظيمهم البيت الحرام، وهذا في الجاهلية، أما أهل الإسلام فهم أكثر تبجيلاَ وتعظيمًا للكعبة المشرفة وعموم الحرم.
6 -أن جهة البيت الحرام جهة عظمها الشارع لحرمة الكعبة المشرفة، لهدا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن استقبال القبلة بغائط أو بول تعظيمًا لجهتها، فعن عن أبي أيوب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط ولكن شرقوا أو غربوا) [4] .
كما أكد النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك التعظيم لجهة الكعبة فنهى عن البصاق إليها فعن عبد الله بن عمر أن - صلى الله عليه وسلم - رأى بصاقًا في جدار القبلة فحكه، ثم أقبل على الناس فقال: (إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه فإن الله قبل وجهه إذا صلى) [5] .
مما سبق يتبين لنا تعظيم النصوص للكعبة وجهتها، وما للكعبة المشرفة من مكانة عالية في عقيدة المسلم، وما حظيت به من تقديس في تاريخ البشرية.
(1) المصنف في الأحاديث والآثار لابن أبي شيبة (3/ 238) .
(2) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (2/ 305) .
(3) فتح الباري لابن حجر العسقلاني (3/ 444) .
(4) صحيح البخاري كناب أبواب القبلة، باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام، رقم (386) صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة، رقم (264) .
(5) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها، رقم (546) .