وإن أعظم دليل يثبت محاسن الشهادة هو قوله تعالى: {كُونُوا قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ} ، [1] قال القرطبي: (اعلم أن الذي أمر الله تعالى به من الشهادة والكتابة لمراعاة صلاح ذات البين، ونفي التنازع المؤدي إلى فساد ذات البين؛ لئلا يسول له الشيطان جحود الحق، وتجاوز ما حد له الشرع أو ترك الاقتصار على المقدار المستحق) ، [2] وقال ابن القيم: (القلم الثامن: قلم الشهادة؛ وهو القلم الذي تحفظ به الحقوق، وتصان عن الإضاعة، وتحول بين الفاجر وإنكاره، ويصدق الصادق، ويكذب الكاذب، ويشهد للمحق بحقه، وعلى المبطل بباطله، وهو الأمين على الدماء والفروج والأموال والأنساب والحقوق، ومتى خان هذا القلم فسد العالم أعظم فساد، وباستقامته يستقيم أمر العالم، ومبناه على العلم وعدم الكتمان) . [3]
والأصل أن حكم تحمل الشهادة وأدائها فرض كفاية، [4] لقول الله تعالى: {وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُوا} ، [5] قال الحسن: جمعت أمرين: لا تأب إذا كانت عندك شهادة أن تشهد، ولا تأب إذا دعيت إلى شهادة، [6] وقوله: {وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} ، [7] وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} ، [8] ولأنها أمانة فلزم أداؤها كسائر الأمانات، وقد قال تعالى: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى
(1) . سورة المائدة/8، وانظر علي حيدر/ درر الحكام شرح مجلة الأحكام/د. ط /لبنان/بيروت/دار الكتب العلمية/د. ت 12/ 57.
(2) . القرطبي: أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري/الجامع لأحكام القرآن/اعتنى به وصححه هشام سمير البخاري/ط 1/لبنان/بيروت/دار إحياء التراث العربي /1416 هـ- 1995 3/ 386.
(3) . ابن قيم الجوزية: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر/ التبيان في أقسام القرآن/علق عليه وصححه فواز أحمد زمرلي/ط 1/لبنان/بيروت/ دار الكتاب العربي/1415 هـ-1994 م /191.
(4) . ابن كثير: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي/ تفسير القرآن العظيم/حققه سامي محمد السلامة/ط 1/السعودية/الرياض/دار طيبة/1418 هـ- 1997 م 1/ 446، وتفسير القرطبي 3/ 386، وعمدة القاري للعيني 13/ 192، والجمل: سليمان بن عمر العجيلي/ حاشية الجمل على شرح المنهج/اعتنى به عبد الرزاق المهدي/ط 1/لبنان/بيروت/دار الكتب العلمية/1417 هـ- 1996 م 8/ 465.
(5) . سورة البقرة/282.
(6) . الطبري: أبو جعفر محمد بن جرير/تفسير الطبري (جامع البيان في تأويل القرآن) ط 2/لبنان/بيروت/د. ن/1418 هـ- 1997 م 3/ 126.
(7) . سورة البقرة/283.
(8) . سورة النساء/135.