أَهْلِهَا، [1] ولأن المقصود بها حفظ الحقوق، وذلك يحصل بفعل من به الكفاية، فإن قام بتحمل الفرض وأدائه من يكفي سقط الإثم عن الباقين، وإن امتنعوا أثم كل قادر عليها، قال الجصاص [2] : (والذي يدل على أنها فرض على الكفاية أنه غير جائز للناس كلهم الامتناع من تحمل الشهادة، ولو جاز لكل واحد أن يمتنع من تحملها لبطلت الوثائق وضاعت الحقوق، وكان فيه سقوط ما أمر الله تعالى به وندب إليه من التوثق بالكتاب والإشهاد) ، [3] وقد تقرر عند أهل العلم أنه لا يؤثم الممتنع عن أدائها إلا بشرطين: [4]
الأول: ألا يكون عليه ضرر؛ كأن يشق عليه الحضور، أو كان يبتذل في طلب التزكية؛ لقوله تعالى: {وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} ، [5] ولما أخرجه أحمد والطبراني من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا ضرر ولا ضرار". [6]
والثاني: أن تكون شهادته نافعة؛ فإن كان ممن لا تقبل شهادته، لم يأثم بعدم أدائها؛ لأن المقصود لن يحصل منها.
-والشهادة تلحق بها الأحكام الخمسة:
أ- فتكون واجبة: إذا تعينت عليه؛ بأن يعلم أنه إذا لم يؤدها ضاع الحق، قال في تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام: (ولا يحل لأحد الشاهدين أن يمتنع من الأداء، ويحيل المشهود له على يمينه مع الشاهد الآخر؛ لأن في الحلف كلفة، وكثير من الناس من يكره اليمين ولو تحقق صدق حلفه، فإن فعل الشاهد ذلك فهو آثم؛ لقوله تعالى: {وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ} الآية) ، [7] وهل تتعين إذا دعي إليها وقد تحملها غيره؟ قولان:
(1) . سورة النساء/58.
(2) . أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص الحنفي، ونسبته للجصاص راجعة إلى عمله بالجص، ولد سنة 305 هـ، كان زاهدًا ورعًا، وصار إمام الحنفية في عصره ببغداد، وتوفي بها سنة 370 هـ، ترجمته في: تاج التراجم في طبقات الحنفية 1/ 2، والطبقات السنية في تراجم الحنفية 1/ 122.
(3) . الجصاص: أبو بكر أحمد بن علي الرازي الحنفي/ أحكام القرآن/د. ط/لبنان/بيروت/ دار الكتاب العربي/1417 هـ-1997 م 1/ 482.
(4) . المغني 12/ 4، وقد ذكر صاحب درر الحكام في شرح مجلة الأحكام 12/ 54 تسعة شروط تدور على هذين الشرطين، والله أعلم.
(5) . سورة البقرة/282.
(6) . أخرجه أحمد 1/ 313، والطبراني في المعجم الكبير 11/ 302.