الصفحة 29 من 53

(فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ) : أي لم يقصد إشهادهما ولو كانا موجودين، والحكم من قبيل نفي العموم لا عموم النفي. [1]

(فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) : قال أبو بكر الجصاص: (ظاهر هذه الآية يقتضي جواز شهادتهن مع الرجل في سائر عقود المداينات؛ وهي كل عقد واقع على دين؛ سواء كان بدله مالًا أو بضعًا أو منفعة أو دم عمد؛ لأنه عقد فيه دين) ، [2] وفيه مقصد آخر؛ وهو تعويدهم بإدخال المرأة في شؤون الحياة؛ إذ كانت في الجاهلية لا تشترك في هذه الشؤون، فجعل الله المرأتين مقام الرجل الواحد. [3]

(مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء) : عدد الصفات المعتبرة في قبول الشاهد في الجملة خمسة: العدالة، والبلوغ، والإسلام، والحرية، ونفي التهمة، وهذه منها متفق عليها، ومنها مختلف فيها. والعدالة شرط لا خلاف فيه، وإنما اختلف في معناها، فقال الجمهور: هي صفة زائدة على الإسلام؛ بأن يكون ملتزمًا لواجبات الشرع ومستحباته، مجتنبًا للمحرمات والمكروهات، وقال أبو حنيفة: يكفي في العدالة ظاهر الإسلام، وأن لا تعلم منه جرحة، وسبب الخلاف: ترددهم في مفهوم اسم العدالة المقابلة للفسق، [4] وقد ثبت في سنن البيهقي [5] بإسناد صحيح: أن عمر قال: (المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودًا بحد أو مجربًا بشهادة زور أو ظنينًا) ؛ أي متهمًا (في قرابة أو ولاء) .

واستدل بهذه الآية على أن العدل: هو من رضيه الناس، [6] قال في المبسوط: (والعدالة هي الاستقامة، وليس لكمالها نهاية؛ فإنما يعتبر منه القدر الممكن، وهو انزجاره عما يعتقده حرامًا في دينه، ولكن هذا شرط العمل بالشهادة لا شرط الأهلية للشهادة) . [7]

(أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) : قيل معناه: كي تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت، وقيل: كي تُصير إحداهما الأخرى ذكرًا باجتماعهما، ورجح ابن جرير الأول. [8]

وهذا التعليل في جعل شهادة المرأتين مقام شهادة الرجل، نكتة مهمة في بيان أن شهادة النساء تدخلها الشبهة، فتقبل في حقوق الأموال والأبدان؛ لأنها لا تدرأ بالشبهات، ولا تقبل في الحدود

(1) . روح المعاني للألوسي 2/ 56.

(2) . أحكام القرآن للجصاص 2/ 502.

(3) . تفسير التحرير والتنوير 3/ 109.

(4) . بداية المجتهد 2/ 379.

(5) . سنن البيهقي الكبرى باب/من قال لا تقبل شهادته 10/ 155.

(6) . السعدي: عبد الرحمن بن ناصر/ منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين /حققه إياد القيسي/ط 1/السعودية/الرياض/ مكتبة الرشد/1422 هـ-2002 م /86.

(7) . المبسوط للسرخسي 19/ 124.

(8) . تفسير الطبري 3/ 115.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت