والقصاص؛ لأنها تدرأ بالشبهات، وقال بعض أهل العلم: إنما قبلت شهادة النساء في الأموال والمداينات؛ لكثرتها، فلا تقبل شهادة النساء في غير حقوق الأموال، والأول أقوى؛ لظهور مناسبة العلة للحكم، وظهور تنبيه الآية عليه، والله أعلم. [1]
(وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُوا) : (ليقيموا الشهادة، وقيل: ليستشهدوا، وقيل لهم: شهداء قبل التحمل تنزيلًا لما يشارف منزلة الكائن) ، [2] قال ابن عاشور: (وتسمية المدعوِّين شهداء باعتبار الأول القريب، وهو المشارفة، وكأن في ذلك نكتة عظيمة: وهي الإيماء إلى أنهم بمجرد دعوتهم إلى الإشهاد، قد تعينت عليهم الإجابة، فصاروا شهداء) . [3]
(وَلاَ تَسْأَمُوْا أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا) : قال ابن عثيمين في تفسيره معددًا ما يستفاد من هذه الآية: (ومنها: أن الشهادات تتفاوت؛ فمنها الأقوم؛ ومنها القيم؛ ومنها ما ليس بقيم؛ فالذي ليس بقيم هو الذي لم تتم فيه شروط القبول؛ والقيم هو الذي صار فيه أدنى الواجب؛ والأقوم ما كان أكمل من ذلك؛ بدليل قوله تعالى: {وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ} ، فإذا قيل: ما مثال القيم؟ فنقول: مثل شاهد، ويمين؛ لكن أقوم منه الشاهدان؛ لأن الشاهدين أقرب إلى الصواب من الشاهد الواحد؛ ولأن الشاهدين لا يحتاج معهما إلى يمين المدعي؛ فكانت شهادة الشاهدين أقوم للشهادة) . [4]
قال عطية السالم في إكمال تفسير أضواء البيان: تنبيه للشهادة علاقة باليمين في الحكم، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: «شاهدان أو يمينه» ، فما هي تلك العلاقة؟ وبين هذه العلاقة قوله تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ} ، [5] وقوله: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} ، [6] وقوله: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} ، [7] وقوله: هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كفى
(1) . راجع المبسوط 9/ 128.
(2) . الزمخشري: أبو القاسم جار الله محمود بن عمر/تفسير الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل/رتبه وضبطه محمد عبد السلام شاهين/ط 3/لبنان/بيروت/دار الكتب العلمية /1424 هـ- 2003 1/ 321.
(3) . التحرير والتنوير 3/ 112، وانظر السيد محمد رشيد رضا/ تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) /اعتنى به إبراهيم شمس الدين/ط 1/لبنان/بيروت/دار الكتب العلمية/ 1420 هـ-1999 م 3/ 105.
(4) . تفسير القرآن لابن عثيمين 5/ 327، والمراغي: أحمد مصطفى/تفسير المراغي/د. ط/دار الفكر/د. ت 1/ 77.
(5) . سورة الأنعام/19.
(6) . سورة فصلت/53.
(7) . سورة الأنبياء/73.