ومعناه أن الصلاة لا تجب في أول الوقت على التعيين، وإنما تجب في جزء من الوقت غير معين، وإنما التعيين إلى المصلي من حيث الفعل حتى إنه إذا شرع في أول الوقت يجب في ذلك الوقت، وكذا إذا شرع في وسطه أو آخره، ومتى لم يعين حتى بقي من الوقت مقدار ما يصلي فيه أربعا - وهو مقيم - يجب عليه تعيين ذلك الوقت للأداء فعلا ويأثم بترك التعيين [1] .
القول الثالث: وجوب الأداء يتعلق بآخر الوقت:
قال بعض الحنفية العراقيين: إن الإيجاب يقتضي إيقاع الفعل في الجزء الأخير من أجزاء الوقت، أي: أنه يخصص الوجوب بآخر الوقت، ويكون أوله سببًا للوجوب [2] ، فعلى هذا، فإن قدمه ثم زالت أهليته قبل آخر الوقت فالمؤدى نفل [3] .
الرأي المختار في المسألة: يلاحظ أن:
يظهر لنا صحة ما ذهب إليه الجمهور من إثبات الواجب الموسع وصحة إيقاع الفعل في أي جزء من أجزاء الوقت مع العزم على فعله وأدائه في كل الوقت لقوة الأدلة المذكورة والسير الصحيح في تحقيق المقصد العام للواجبات في جعلها ضمن نطاق التكليف والقدرة والاستطاعة في الأغلب، والناظر في المسألة يجد أن المذهب الثاني قد وافق في أغلب أقواله المذهب الأول، فالقائلون بتعيين الوقت بأوله أو آخره، فذلك يدخل ضمنًا في الواجب الموسع ولا يخصص بأي جزء معين؛ فالخصوص يدخل في العموم، وهذا حينئذ ٍ خلاف لفظي لا أثر يذكر فيه إلا إذا أريد بآخر الوقت وقوع الفعل ندبًا، فأن له آثارًا وجدت عند الفقهاء وخاصة من ناحية التكليف كمن صلى أول الوقت وبلغ آخره، أو جن مثلا ً أو حاضت المرأة، وغير ذلك. والله أعلم.
(1) - انظر: التفتازاني، سعد الدين مسعود بن عمر الشافعي ت (793 هـ) ، شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه، المحقق: زكريا عميرات، الناشر: دار الكتب العلمية بيروت - لبنان، ط 1 (1416 هـ - 1996 مـ) ، 1/ 390. الشنقيطي، نثر الورود على مراقي السعود، 1/ 223.
(2) -ملحظ: انبنى على المذهب الثالث خلاف في مسألتين:
•المسألة 1: تقدير وقت الوجوب الذي يتعلق بآخر الوقت: على قولين:
القول الأول: أن الوقت يسع جملة الصلاة، وينقضي بانقضائها، وهو قول زفر وجماعة من الحنفية.
القول الثاني: أن الوقت هو ما يسع تكبيرة الإحرام. انظر: النملة، المهذب في علم أصول الفقه، 1/ 194.
•المسألة 2: إذا أوقع المكلف الفعل في غير الجزء الأخير: على قولين:
القول الأول: أن الفعل يقع نفلًا لا يسقط به الفرض، حكي عن بعض مشايخ العراق الحنفية.
القول الثاني: أن الفعل يكون موقوفًا، فإذا جاء آخر الوقت وهو على مكلف كان ما فعله في أول الوقت واجبًا، وإن جاء آخر الوقت وقد زالت عنه صفة التكليف كان الفعل الذي فعله في أول الوقت نفلًا، ونسب إلى الكرخي. النملة، المهذب في علم أصول الفقه المقارن، 1/ 194 - 195.انظر: الشنقيطي، نثر الورود على مراقي السعود، 1/ 221.
(3) - ملحظ: وتعليل الحنفية لمذهبهم: أن القول بأن الوجوب يتعلق بكل الوقت لزم منه تقدم المسبب على السبب، أو وجوب أداء الواجب بعد وقته، فتعين البعض، ولا يجوز أن يكون ذلك البعض أول الوقت عينا للزوم عدم الوجوب على من صار أهلا للوجوب في آخر الوقت بقدر يسعه، كمجنون ومغمى عليه أفاقا فيه، وحائض ونفساء طهرتا فيه، وصبي بلغ، ومرتد أسلم، ولا يجوز أن يكون ذلك البعض آخر الوقت عينا، لأنه يلزم منه أن لا يصح الأداء في أوله لامتناع التقدم على السبب، فتعين كونه الجزء الذي يتصل به الأداء ويليه الشروع؛ لأن الأصل في السبب هو الاتصال بالمسبب وإن كان ناقصا لا يتسع لفعل كل الواجب فيه، كوقت اصفرار الشمس مثلا فيصح أداء العصر فيه؛ لأنه لما اتصل الأداء به صار هو السبب، وهو مأمور بأدائه فيكون أداؤه كما وجب. انظر: الفتوحي، شرح الكوكب المنير، 1/ 370. الزركشي، البحر المحيط، 1/ 170 - 173. السبكي، جمع الجوامع 1/ 187 وما بعدها، الكاساني، بدائع الصنائع، 1/ 95، ابن قدامة، المغني 1/ 395.