أدلة القول الأول القائل بجواز التعجيل، منها:
1 -أن المالي يحتمل الفصل بين نفس الوجوب، ووجوب الأداء كما في الثمن بأن يثبت المال في الذمة مع أنه لا يجب أداؤه بخلاف البدني، أما في البدني فلا ينفك - نفس الوجوب ووجوب الأداء- عن الآخر ففي المالي ثبت نفس الوجوب بناء على السبب أفاد صحة الأداء، وفي البدني لم يثبت - نفس الوجوب- لم يصح الأداء ... ففي فصل الأمر يأتي أن في العبادة البدنية لا ينفك نفس الوجوب عن وجوب الأداء [1] .
2 -الأصل في المعلق عند الشافعية أذكر خلاصته:"جعل الشافعي التعليق إيجابا للحكم على تقدير وجود الشرط، وإعداما له على تقدير عدمه فصار كل من الثبوت والانتفاء حكما شرعيا ثابتا باللفظ منطوقا ومفهوما، وصار الشرط عنده تخصيصا وقصرا لعموم التقادير على بعضها" [2] .
أدلة القول الثاني القائل بعدم الجواز، فاستدلوا:
1 -أن المعلق قبل وجود الشرط بمنزلة جزء السبب، وجزء السبب لا يكون سببًا [3] .
2 -أن التعليق مانع للمعلق من الوصول إلى المحل، والأسباب الشرعية لا تصير أسبابا قبل الوصول إلى المحل؛ لأنها عبارة عما يكون طريقا إلى الشيء ومفضيا إليه، فكما لا يكون شطر البيع علة للبيع لعدم التمام كذلك بيع الحر لعدم الوصول إلى المحل [4] .
3 -أما تعلق الوجوب بنفس المال فلا يطابق أصول الشافعية؛ لأن الحكم لا يتعلق إلا بفعل المكلف بل لا معنى له إلا الخطاب المتعلق بفعل المكلف، ولهذا صرحوا في نحو: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة:3] و {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء:23] أنه من باب الحذف بقرينة دلالة العقل على أن الأحكام إنما تتعلق بالأفعال دون الأعيان [5] .
سبب الخلاف:
يعود سبب الخلاف بين القولين في الأمر المعلق إلى نظرتهم إليه؛ فالحنفية جعلوا الأمر المعلق سببا ً مجازيًا حيث إنه لا يفضي في الحال بل في المآل، فالشرط عندهم يُعد سببا ً مجازيا ً لا بد من وجوده، أما الشافعية فيرون أن الأمر المعلق يعد سببًا بمعنى العلة؛ لأن اليمين
(1) - رد الحنفية على تفريق الشافعية بين البدني والمالي:"أي فرق الشافعي بين الحقوق المالية والبدنية بأنه ينفصل في المالية الوجوب عن وجوب الأداء فينعقد السبب وإن لم يجب الأداء بخلاف البدنية باطل؛ لأن الحق الواجب لله تعالى على العباد هو العبادة، وهو فعل يباشره العبد بخلاف هو نفسه ابتغاء لمرضاة الله تعالى فالمال لا يكون مقصودا في ذلك بل آلة يتأدى بها الواجب بمنزلة منافع البدن فتصير الحقوق المالية كالبدنية في أن المقصود بالوجوب هو الأداء، وأن تعليق وجوب الأداء بالشرط يمنع تمام السببية فيهما جميعا، وإنما جازت النيابة في المالية لحصول المقصود، وهو المشقة، ومخالفة هوى النفس بخلافه في البدنية". التفتازاني، شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه، 278:1.
(2) - التفتازاني، شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه، 278:1. بتصرف
(3) - انظر: التفتازاني، المرجع السابق، 280:1.
(4) - انظر: التفتازاني، المرجع السابق، 280:1.
(5) - التفتازاني، المرجع السابق، 278:1.