سبب الخلاف:
أن من الأصوليين من ذهب إلى الاعتبار بالسبب ولم يأخذ بالشرط، ومنهم من اعتبر الشرط فيتوقف الواجب على الشرط والسبب معًا فلم يُجِز تقدم السبب بلا شرط.
مناقشة الأدلة:
بالنظر إلى أدلة كلا المذهبين في حكم التعجيل الناقص، فهي أدلة عقلية مبنية على اجتهادات العلماء وفق أصولهم، فمن أثبت السبب وجعله مستقلًا بذاته أجاز التعجيل الناقص، ومن لم يجعل السبب والشرط منفكان عن بعضهما بناءً على العلاقة الخاصة بينهما من حيث أن السبب والشرط مؤثران في بعضهما، ويتوقف كلا منهما على الآخر كما ذهب إليه المذهب الثاني فلم يُجِز التعجيل الناقص.
أضف لذلك أن القائلين بجواز التعجيل الناقص جعلوه في مسائلٍ معينةٍ- ستبين في الفصل التطبيقي- لا على الإطلاق، ووضعوا القيود والشروط للتعجيل الناقص منها: أن يكون للواجب سبب للوجوب وشرط، وأن يبقى حال المكلف كما هو إلى أن يوجد الشرط وغيره من الشروط، وغير ذلك.
وعليه، نجد أن القول بجواز التعجيل الناقص لا يؤدي إلى اختلال الواجب بل يجب بوجود سبب وجوبه وإن تخلف شرطه، ولا ينقص من مقصد الواجب بل يسعى المكلف من خلاله لإبراء ذمته من الواجب، إلا أن القول بالتعجيل الناقص لا يقصد منه وقوع الواجب على خلاف مقتضى الشارع بل لابد من موافقته لما أراده الشارع، فبالقول بجواز التعجيل الناقص لا بد من وضع الضوابط الشرعية لذلك وفقا ً للمسائل الفقهية - كتعجيل الزكاة وصدقة الفطر وأداء الكفارة قبل الحنث - التي أجازها أصحاب المذهب الأول، والله أعلم.
المذهب الأول اتفقوا على جواز التعجيل بالأداء عند وجود سبب الوجوب وتخلف شرطه [1] ، ولكن جعلوا لذلك أقسام بالنظر في أسباب الوجوب؛ فتتعدد وتتنوع على أقسام:
القسم الأول: الواجب يقتصر على سببٍ واحدٍ: كالزكاة سببها ملك النصاب.
القسم الثاني: الواجب له سببان فأكثر: كالجلد له ثلاثة أسباب: الزنا والقذف والشرب، فمن جلد قبل ملابسة شيء من هذه الثلاثة لم يعتبر ذلك جلدا ولا زجرا. وفي هذا القسم اختلف العلماء في تقديم سبب ٍ على سبب ٍ، على قولين:
القول الأول: عدم جواز تقدم الحكم عند وجود سببٍ واحدٍ من أسبابه:
وممن قال به: ابن القيم [2] .
القول الثاني: جواز تقدم الحكم عند وجود سببٍ واحدٍ من أسبابه:
وهذا مذهب أغلب العلماء [3]
(1) - الزركشي، محمد بن بهادر بن عبد الله أبو عبد الله، المنثور في القواعد، 197:2. / الحموي، شهاب الدين أحمد بن محمد مكي الحسيني ت (1098) ، غمز عيون البصائر شرح كتاب"الأشباه والنظائر"لابن نجيم الحنفي، الناشر: دار الكتب العلمية، 95:4، 288.
(2) - ابن القيم، بدائع الفوائد، 1/ 8
(3) - انظر: القرافي، الفروق، 440:1./ الزركشي، المنثور في القواعد، 197:2./ الحموي، غمز عيون البصائر، 95:4، 288.