الصفحة 17 من 57

الله سبحانه بتنزيه الحج عن الرفث والفسوق والجدال رخصّ في التجارة، وهي من فضل الله المراد به في قوله {أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} .

4 -نزلت إباحة البيع والشراء والكراء في الحج، وسماها الله سبحانه ابتغاءً من فضله، ليشعر من يزاولها أنه يبتغي من فضل الله، حين يتجر، وحين يعمل بأجر، وحين يطلب أسباب الرزق، أنه لا يرزق نفسه بعمله، وإنما يطلب من فضل الله فيعطيه الله. فأحرى ألاّ ينسى هذه الحقيقة.

5 -أنه متى ما استقر في قلب الحاج إحساس بأنه يبتغي من فضل الله، وأنه ينال من هذا الفضل حين يكسب، وحين يحصل على رزقه من وراء الأسباب التي يتخذها للإرتزاق، فهو إذًا في حالة عبادة لله، لا تتنافى مع عبادة الحج، في الإتجاه إلى الله.

في ظلال قوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ... } [الحج: 28] .

في هذه الآية مسائل، أهمها:

الأولى:

أنه تعالى لما أمر بالحج في قوله: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} ذكر حكمة ذلك الأمر في قوله: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ... } واختلفوا فيها، فبعضهم حملها على منافع الدنيا، وهي أن يتجر في أيام الحج، وبعضهم حملها على منافع الآخرة وهي العفو والمغفرة، وبعضهم حملها على الأمرين جميعًا، وهو الأولى.

الثانية:

إنما نكّر المنافع؛ لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة، دينية ودنيوية، لا توجد في غيرها من العبادات.

يقول ابن الجوزي - رحمه الله - في كتابه"زاد المسير". والأصح مَنْ حملها على منافع الدارين جميعًا؛ لأنه لا يكون القصد للتجارة خاصة، وإنما الأصل قصد الحج، والتجارة تبع.

يقول الخطيب في كتابه"التفسير القرآني": والمنافع التي يشهدها الوافدون إلى بيت الله الحرام كثيرة متنوعة، تختلف حظوظ الناس منها. فهناك منافع روحية تفيض من جلال المكان وروعته وبركته، وذلك بما يغشى الروح من هذا الحشر العظيم، الذي حُشر فيه الناس على هيئة واحدة في ملابس الإحرام مجردين من متاع الدنيا، وما لبسوا فيها من جاه وسلطان. ولقد أحسن النسفي رحمه الله في تصوير هذه الفريضة، وفي عقد شَبَهٍ بينها وبين الحياة الآخرة، حيث يقول: فالحاج إذا دخل البادية، لا يتكل فيها إلا على عتاده، ولا يأكل إلا من زاده، فكذا المرء إذا خرج من شاطئ الحياة، وركب بحر الوفاة، لا ينفع وحدته إلا ما سعى في معاشه لمعاده، ولا يؤنس وحشته إلا ما كان يأنس به من أوراده.

وهناك منافع اقتصادية بجانب المنافع الروحية، ومن هذه المنافع:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت