حجة شرعية، ولا نثير خلافًا في ذلك مع المخالفين ثم نسلّم أن الإجماع في ذاته ممكن الوقوع، والثبوت ولا نقول مع القائلين: إن من ادعى الإجماع فهو كاذب)، ثم أنكر الاستدلال بإجماع الصحابة المثبت لمشروعية مبدأ إقامة الإمامة العظمى.
وإجماع الصحابة لم يتورط في إنكاره إلا الرافضة فعجيب أمر هذا الرجل، في تناقضه ومغالطاته فأنت كما ترى أثبت إجماع الصحابة رضي الله عنهم في ص: 38، ثم أنكره في ص: 201، كما سجلنا ذلك عنه في مزاعمه وهذا التناقض مسقط لكل دعاويه من أصلها.
ويصدق على كل مزاعمه قول الشاعر:
حجج تهافت كالزجاج تخالها = حقًا وكل كاسرٍ مكسورٌ
الوقفة الثالثة: مع (( فرج فوده ) )من وجهين:
الوجه الأول: إن موقف الخليفة عمر رضي الله عنه لا علاقة له بتقصير في إجراءات الأمن، ولا بغفلة، ولا بعدم اتخاذ الأسباب، فالأمن في عهده كان مستتبًا فعلًا، وما تعرض له عمر كان أمرًا دبر بليل.
فاتهام وتعريض (( فرج فوده ) )بالفاروق غير وارد أصلًا.
بل لا أحسب أن أحدًا يمكن أن يلقي على الفاروق درسًا في الأخذ بالأسباب، أو في الحيطة والحذر، فهو ابن شبه الجزيرة التي كانت في جاهليتها لا تسمح أن ينام فيها الرجل إلا بعين واحدة ليُبقى العين الأخرى ساهرة خوفًا من غزو، أو ثأر، أو غدر. وهذا من معلومات أبنائنا طلبة العلم في وقت مبكر من التعليم هذا أولًا.
وثانيًا: إن الفاروق هو من أوائل تلاميذ المدرسة التي من مقرراتها: ما جاء في سورة النساء: 102 قال تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} .
وقد ظهر أخذ (( الفاروق ) )بالأسباب، والحذر، والحيطة في قصة خروجه إلى الشام ثم سماعه بانتشار الطاعون فيها؛ فاستشار المهاجرين، ثم الأنصار، هل يكمل مسيرته بالدخول في الشام أم يعود، وبعد الشورى قرر الرجوع فتردد بعض قادة جنوده في عدم تنفيذ القرار وقال: (( أفرارًا من قدر الله ) )فقال عمر: (( نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله ) )والقصة بتفاصيلها مخرجة في الصحيحين وغيرهما.
ولعل هذين النصين يكفيان تلاميذ فرج فوده لاقناعهم أنه ليس من السهل الأسْتَذَةِ على (( عمر ) )الفاروق حتى في إجراءات الأمن.
وتأكيدًا لهذه المعاني انظر في قصيدة حافظ إبراهيم الشهيرة كما في ديوانه، والمعروفة بالقصيدة