ومِنْ مُرونتها كذلك، الظَّواهِرُ الصَّوتيَّةُ؛ مِنْ إبدالٍ، وإدغامٍ، وإظهارٍ، وإخفاءٍ، ورُومٍ، وإشمامٍ، وأيضًا: كاسمِ المكانِ، والزَّمانِ، والسَّببيَّةِ، والحرفَةِ، والأصواتِ، والآلةِ، والتَّفضيلِ .. الخ، تلكَ المُرُونَةُ التي أتاحَتْ لها أَنْ تغدوَ لُغةَ الحَضَارَةِ فِي القُرُونِ الوُسطى.
ثانيًا: الإِيْجَازُ وَالاخْتِصَارُ: على الرَّغمِ مِنْ السِّمةِ السَّابقةِ ـ سِعَةُ العَربيَّةِ ومُرونتُها ـ إلا أنَّ مِنْ سماتِهَا أيضًا"الإيجازُ والاختصارُ"، والاختصار والإيجاز صفةٌ واضحةٌ في اللغةِ العربيةِ. يقولُ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم: «أُوْتِيْتُ جَوَامِعُ الكَلِمِ» [1] ، ويقولُ العربُ: (خيرُ الكلامِ مَا قلّ ودلَّ) . وَأَوْجُهُ الاخْتِصَارِ فيها كثيرةٌ [2] ؛ منها:
1 ـ الإِيْجَازُ فِي الَحَرْفِ: حيثُ تُكتبُ الحَركاتُ في العربيَّةِ عندَ اللَّبسِ فوقَ الحرفِ أو تحتَهُ، بينمَا فِي اللُّغاتِ الأجنبيَّةِ تأخذُ حَجْمًا يُساوِي حَجْمَ الحَرْفِ أَوْ يزيدُ عليه. وقدْ نحتاجُ في اللُّغةِ الأجنبيَّةِ إلى حرفين مُقابلَ حرفٍ واحدٍ في العربيَّةِ لأداءِ صَوْتٍ مُعيَّنٍ؛ كالخَاءِ (KH) مثلًا، وفي العربيَّةِ إشارةٌ نُسمِّيها (الشَّدَّةَ) ، نَضعُها فوقَ الحَرْفِ لِندلَّ على أَنَّ الحَرْفَ مُكرَّرٌ أَوْ مُشدَّدٌ، أَيّ أنَّه في النُّطقِ حَرفانِ، وبذلك نستغني عن كتابته مُكررًا، ونحنُ في العربيَّة قد نستغني كذلك بالإدغامِ عَنْ كِتابةِ حُروفٍ بكامِلِهَا، وقَدْ نَلْجَأُ إلى حَذْفِ حُروفٍ. فنقول (عَمَّ) عوضًا عن (عن ما) و (مِمَّ) عوضًا عن (من ما) و (بِمَ) عوضًا عن (بما) ومثلها (لِمَ) عوضًا عن (لِما) .
2 ـ الإيجازُ فِي الكَلِمَاتِ: وهذه أمثلةٌ لعددِ حُرُوفِ بعضِ الكَلِمَاتِ فِي العَربيَّةِ والفَرنسيَّةِ والإنجليزيَّةِ:
العَرَبِيَّةُ ... اَلْفِرِنْسِيَّةُ ... اَلإنْجِلِيْزِيَّةُ
أُمٌّ 2 ... mere 4 ... mother 6
أَبٌ 2 ... pere 4 ... father 6
أَخٌ 2 ... frere 5 ... 7
3 ـ الإيجازُ فِي التَّراكِيْبِ: الجملةُ والتَّركيبُ فِي العربيَّةُ قائمانِ أصلًا على الإيجازِ. ففي الإضافةِ يكفي أَنْ تُضيفَ الضَّميرَ إلى الكَلِمَةِ وكأنَّهُ جزءٌ منها: كِتَابُهُ (son livre) ، كتابُهم (leur livre) . وأمَّا إضافةُ الشَّيءِ إلى غيرِهِ فيكفِي فِي العربيَّةِ أنْ نُضيفَ حركةً إعرابيَّةً، أيّ صوتًا بسيطًا إلى آخرِ المُضَافِ إليه، فنقولُ: (كِتَابُ التِّلميذِ، وَمَدْرَسَةُ التَّلاميذِ) ، على حينِ نستعملُ في الفرنسيَّةِ أدواتً خاصَّةً لذلك، فنقولُ: (le livre de l'eleve،l'ecole des eleves) .
وأمَّا في الإسناد فيكفِي فِي العَربيَّةِ أَنْ تذكرَ المُسندَ والمُسْنَدَ إليه وتتركُ لِعَلاقةِ الإسنادِ العقليَّةِ المنطقيَّةِ أَنْ تصلَ بينهما بلا رابطةٍ ملفوظةٍ أو مكتوبةٍ، فنقولُ مثلًا (أَنَا سَعِيْدٌ) ، عَلَى حينِ أَنَّ ذلك لا يتحقَّقُ فِي الفِرنسيَّةِ أو
(1) البيهقي، شعب الإيمان، (2/ 160) رقم (1435) .
(2) ينظر: جاد الكريم، عبد الله أحمد، الاختصار سمة العربية، ط مكتبة الآداب، القاهرة 2006 م.