التاريخ والحضارة، وأن ينزع ألسنتهم ويستبدلها بلسانه، وأن ينتزع الإيمان من صدورهم، وأن يمحو حضارتهم من أرضهم وعقولهم ... الخ. وفي بداية الأمر خُيِّل للاستعمار وأعوانه أن العرب قد استكانوا ورضخوا وأذعنوا، ولن تقوم لهم قائمة بعد ذلك، إلا أنَّه مع مرور السنين، لم يحقق الاستعمار كثيرًا ممَّا أراد، وإن حقق بعضًا منه، فقد كان التعليم في البلاد العربية المحتلة يتمُّ كله باللغات الأجنبية؛ الإنجليزية في (مصر والسودان والعراق) ، والفرنسية في (سورية وتونس والجزائر والمغرب) ، فقد كانت لحظة النفوذ الأجنبي ترمي إلى:
أولًا: تحويل أبجدية اللغات الإقليمية إلى اللاتينية وكانت تكتب أساسًا بالعربية، كما حدث في إندونيسيا وبعض بلاد إفريقية وآسية.
ثانيًا: تقديم اللغات الأجنبية في الأقطار الإسلامية على اللغة العربية.
ثالثًا: تقديم اللهجات واللغات المحلية وتشجيعها والدعوة إلى كتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية.
رابعًا: ابتعاث الطلاب إلى الغرب لدراسة لغاته، وكان ذلك إيمانًا بأن اللغة هي الوجه الثاني للفكر، وأن من يجيد لغة لا بد أن يعجب بتاريخها وفكرها ويصير له انتماء من نوع ما إلى هذه الأمة. وفي هذا الشأن يقول الحاكم الفرنسي في الجزائر بمناسبة مرور مائة عام على احتلالها:"يجب أن نزيل القرآن العربي من وجودهم ... ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم، حتى ننتصر عليهم" [1] . وتجلى ذلك في ممارسات الفرنسيين الذين اقتحموا الأزهر إبان الحملة الفرنسية وجعلوه إسطبلا ً لخيولهم، وكذلك في إغلاق المساجد في الجزائر بعد احتلالها وتحويل بعضها إلى كنائس، وهم الذين قاموا بمحاولة القضاء على اللغة العربية والثقافة الإسلامية في الشمال الأفريقي، ناهيك عن المجازر الوحشية التي ارتكبها هؤلاء وغيرهم في البلدان العربية والإسلامية المستعمرة.
ولكن اللغة العربية أبت أن تندحر أو تقهر، وذلك بفضل حفظ الله تعالى لها في حفظ كتابه، ثم بفضل خصائصها، وفضل إيمان أبنائها ومحبيها بأهميتها ومكانتها ودورها، وفي هذا الشأن يقول مصطفى صادق الرافعي:"ما ذلّت لغة شعبٍ إلاّ ذلّ، ولا انحطّت إلاّ كان أمره في ذهابٍ وإدبارٍ، ومن هذا يفرض الأجنبيّ المستعمر لغته فرضًا على الأمّة المستعمَرة، ويركبهم بها، ويُشعرهم عظمته فيها، ويستلحِقهم من ناحيتها، فيحكم عليهم أحكامًا ثلاثةً في عملٍ واحدٍ: أمّا الأول فحَبْس لغتهم في لغته سجنًا مؤبّدًا، وأمّا الثاني فالحكم على ماضيهم بالقتل محوًا ونسيانًا، وأمّا الثالث فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها، فأمرُهم من بعدها لأمره تَبَعٌ" [2] .
(1) العالم، جلال، قادة الغرب يقولون: دمروا الإسلام أبيدوا أهله، (ص 50) .
(2) الرافعي، مصطفى صادق، وحي القلم، (ج 2، ص 23) ، دار المعارف، ط 2، 1982 م.