فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 51

لأسباب شتى من مختلف أنحاء العالم. ويمكن أن نقول: إنَّ انتشار اللغة العربية في القرن الماضي ظاهرة غير مسبوقة في التاريخ، سَاعَدَ على ذلك الانتشار والتوسّعُ الكبير الذي عرفته البلدان العربية في إنشاء المدارس والمعاهد والجامعات، وظهور الصحافة التي كانت في أول عهدها مع نهاية القرن التاسع عشر وفي العقود الخمسة الأولى من القرن العشرين، مدارسَ شعبية للغة العربية، وفي تلك المرحلة تأسست مجامع اللغة العربية الثلاثة في دمشق (1918 م) ، وبغداد (1921 م) ثم في القاهرة (1932 م) ، وكان تأسيسها لغرض خدمة اللغة العربية. كما حُقِّقتْ ونُشرت في تلك الفترة، أُمهات كتب التراث العربي الإسلامي وكانت حركة تحقيق التراث العربي الإسلامي ونشره قد بدأت في مصر في الثلث الأول من القرن التاسع عشر، وازدهرت واتسع نطاقها في العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين. وظهرت في تلك الفترة معاجم لغوية عربية جديدة، وشرع في وضع المعجم التاريخي للغة العربية، وإن كان العمل فيه قد تعثر ثم توقف في بدايته. ثم ظهور الإذاعة التي كان لها إسهام كبير في نشر اللغة العربية في مختلف الأصقاع، فقد كانت تقدم للمستمعين برامجها باللغة العربية ومن ضمنها المسلسلات التاريخية، والقصائد الغنائية الفصيحة لكبار الشعراء. أمَّا التلفاز فقد ظهر في مصر أولًا مع مطلع الستينيات، وهو له اليوم وظيفة أساس في نشر اللغة العربية على نطاق واسع. ويُعزِّزُ هذا الانتشار للغة الضاد ظهورُ أقسام للغة العربية وآدابها في الجامعات العربية والإسلامية، وفي بعض الجامعات الغربية التي تهتم بتدريس اللغة العربية والثقافة العربية والحضارة الإسلامية، وازدهار حركة النشر باللغة العربية على نطاق واسع التي نشرت الكتاب العربي والصحيفة العربية والمجلة العربية، نشرًا واسعًا ضاعف من ذيوع اللغة العربية في الآفاق. ومع المكاسب الكبيرة التي حققتها اللغة العربية بهذا الانتشار الواسع والممتدّ أفقيًا وعموديًا، فإن هناك جوانب أخرى للصورة ليست ممَّا يطمأن عليه. فلقد صاحَبَ هذا الذُّيوع غير المعهود، فشو اللحن واستشراء الضعف والهزال في أحايين كثيرة، والخروج على قواعد اللغة الذي يبلغ حدّ الاستخفاف والاستهانة بالضاد وتجريحها والمس بكرامتها، لأن لكل لغة كرامة كما للكائن البشري، سواء بسواء. وممّا يلاحظ في هذا السياق وجودُ تلازم بين الانتشار الواسع للغة العربية، وبين الضعف المُطَّرد لمستواها على ألسنة المتحدثين، وعلى أقلام الكتاب، بل إن الضعف الذي تعرفه اللغة العربية منذ العقود الستة الأخيرة، وصل إلى الأقسام المتخصصة في الكليات الجامعية، كما وصل إلى الكتب التي يؤلفها أساتذة متخصصون، علميًا ومهنيًا، في تدريس اللغة العربية. ضعف عام يستشري في اللغة على مستوى اللفظ وعلى مستوى الجملة وعلى مستوى السياق وعلى مستوى الصورة البيانية [1] .

(1) ينظر: مستقبل اللغة العربية في? ?عالم متغيّر، بحث ألقي في الدورة 73 لمؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة، يوم 2 أبريل 2007 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت