فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 51

العصور الوسطى. وعَبَّرَ الأستاذ ماسنيون عن الفكرة نفسها قائلًا:"إنَّ المنهاج العلمي قد انطلق، أول ما انطلق، باللغة العربية، ومن خلال العربية في الحضارة الأوربية. إنَّ العربية استطاعت بقيمتها الجدلية، والنفسية، والصوفية، أن تُضْفِيَ سربالَ الفُتُوَّةِ على التفكير الغربي". ثم يواصل ماسينيون وصفه الرائع قائلًا:"إنَّ اللغة العربية أداة خالصة لنقل بدائع الفكر في الميدان الدولي، وإنَّ استمرار حياة اللغة العربية دوليًا لهو العنصر الجوهري للسلام بين الأمم في المستقبل" [1] ، ولقد كانت اللغة العربية في يومًا ما هي اللغة العلمية العالمية، وأنها كانت تحتكر المؤلفات العلمية، لا تكاد تنشر إلا بها، وأنَّ الحضارة الغربية الحديثة لَمَدِيْنَةٌ للحضارة العربية الإسلامية وهي في أزهى عصورها؛ بالإسهامات القوية في تطوير الفكر الغربي عن طريق ما بذله الأوربيين في العصور الوسطى من ترجمة في اللغة العربية للغات الأوروبية المختلفة وما نهلوه من معرفة وعلم في مراكز الإشعاع للحضارة العربية الإسلامية في العصور الوسطى؛ كالأندلس وصقلية، وخلال الحروب الصليبية، وفتح جنوب شرق أوروبا على يدي العثمانيون. وإنَّها لأمانة في أعناقنا نحن أحفاد العرب المسلمين أن نحمل المشعل مرة أخرى لنفس الطريق، ونقود الإنسانية كما فعل أسلافنا أول مرة [2] . وإنَّ الاحتجاج بأنَّ اللغةَ العربيةَ لُغةٌ عاجزةٌ عن استيعابِ التَّقدُّمِ العلميِّ المعاصرِ كلامٌ يُعبِّرُ عن الاستسلامِ والعجزِ من قِبَلِ مَنْ يُردِّدونه؛ لأنَّهم يتجاهلون أنَّ اللغة العربية كانت هي لغة العلم الأولي طوال ما يسمي بالعصور الوسطي في الغرب، وصدق روجر بيكون حينما قال: أعجب ممَّن يريد أن يتخصص في الفلسفة والعلوم ولا يعرف اللغة العربية! لقد تعلم البشر جميعًا درس نقل العلوم من لغة إلي أخري من العرب، حيثُ كانوا أصحاب أول حضارة تنقل نتاج الحضارات السابقة إلي لغتها، ومن خلال هذه الحركة النشيطة في الترجمة، تلك الحركة التي شجَّعها الجميعُ إلي حدِّ أنْ كان الخلفاء يزنون الكتاب المُترجمَ ذهبًا ويُعطونه لمَنْ قام بترجمته، إنَّه من خلال هذه الترجمة لكُلِّ نتاج العلوم يونانية كانت أم فارسية نجح المسلمون في استيعابها وفي خلق البيئة المواتية للتقدم والإبداع العلمي، فكان منهم العلماء الذين ساهموا في تطوير كل العلوم المعروفة آنذاك، وفي تأسيس الكثير من العلوم الجديدة. وكان أن تتلمذ علي مؤلفاتهم كل علماء الغرب في عصر نهضتهم الحديثة وقد اعترف معظمهم بذلك كما خلَّده مؤرخو العلم في مؤلفاتهم. وقد قوبلت هذه الدعوات الهدامة للغة العربية بدعوات مضادة أبرزها: إحياء التراث العربي القديم. واستخدام اللغة العربية الفصحى. واللجوء إلى الترجمة والنقل المجازي والاشتقاق. وتطهير العربية من بقايا الضعف التي حملتها من عصور الانحطاط أو التأثير الأجنبي الحديث.

وعلى الرغم ممَّا سبق أيضًا فقد عرفت اللغة العربية في القرن العشرين امتدادًا واتساعًا في رقعة الناطقين بها، سواء من أبناء الوطن العربي، أو من شعوب العالم الإسلامي، أو من غير هؤلاء، من الدارسين للغة الضاد

(1) مجلة"اللسان العربي"بعنوان:"اللغة العربية وتحديات العصر"بالعدد الصادر في السنة 1976 م.

(2) ينظر: شلتوت، مسلم، الحضارة العربية الإسلامية في العصور الوسطى والتحدي المعاصر، موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت