فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 51

خدمة لغة الضاد. بل هي ضرورة من ضرورات الرقي الحضاري. وإنَّ التفكير في مستقبل اللغة العربية قضية بالغة الأهمية، في الفكر العربي الإسلامي المعاصر، لها صلة وثيقة بسيادة الأمة العربية الإسلامية على ثقافتها وفكرها، وعلى كيانها الحضاري والسياسي والاقتصادي في المقام الأول، وعلى حاضرها ومستقبلها؛ فهذه (قضية سيادة) بالمعنى الشامل للكلمة، وليست مجرد قضية لغوية وأدبية وثقافية. ولذلك يمكن أن نقول بثقة واطمئنان، إن مستقبل اللغة العربية قضية (أمن قومي) بالمعنى السياسي والسيادي والجغرافي العام، وليس بالمعنى الجغرافي الوطني الإقليمي المحدود. لأن حياة الأمم في حياة لغاتها وقوتها وازدهارها، فإذا ماتت اللغة ـ واللغات تموت باعتبارها كائنًا حيًا ـ أو ضعفت أو انهارت، ضاعت الأمة ضياعًا لا يُبقي لها أثرًا في الحياة.

* اللغة العربية تحتاج إلى قرار سياسي: يرى الدكتور محمود حافظ رئيس مجمع اللغة العربية في القاهرة، أنه إذا أُريد لهذه القضية الحلّ، فعلى الدولة (أو مجموعة الدول العربية) أن تحسمها بقرار سياسي مُلزم يوفّر لها كلّ الإمكانات، ويضع لها الخطة والبرنامج للعمل والتنفيذ والاِنطلاق باعتبارها قضية قومية ووطنية وثيقة الصلة بكياننا العربي ومستقبل التربية والتعليم والثقافة العربية الإسلامية [1] . كما فعلت فرنسا حين سنّت قانون «حماية اللغة الفرنسية «سنة 1994 م، الذي صدر بمناسبة مرور مائتي عام على قانون حماية اللغة الفرنسية إبان الثورة الفرنسية الذي ورد فيه «يُعاقب كُلُّ مَنْ يوقِّع وثيقة بغير اللغة الفرنسية بالفصل من وظيفته وبالسجن ستة أشهر» . ونقل عن وزير الثقافة الفرنسي الأسبق: إني أكثر الوزراء مسؤلية فأنا مسئول عن صادرات فرنسا الأولى، اللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية والكتاب الفرنسي. وفى مواجهة الضغط الفرنسي لنشر الفرنسية قامت الحكومة الايطالية باعتماد مبالغ ضخمة للمحافظة على مكانة اللغة الايطالية في الخارج. وقامت الشركات الايطالية ذات المصالح الكبيرة في العالم العربي إلى تخصيص مبالغ من أرباحها على تدريس اللغة الايطالية وتشجيعها لمدرسي اللغة الايطالية في مصر والعالم العربي وأصبح من حق كل مدرس للغة الايطالية أن يزور ايطاليا مرة في العام. كما تدعم الحكومة الألمانية والحكومة اليابانية لغة بلديهما، وجاء في مقال نشرته مجلة الأمة في عدد شوال 1404 هـ."فالألمان ينشرون لغتهم عن طريق نشر المعاهد في الداخل والخارج وأكبر المعاهد هو معهد جوته في القاهرة أنشئ منذ ربع قرن ويتخرج منه خمسة ألاف طالب كل عام وتنتشر فروعه في 110 من بلدان العالم".

ولذلك يرى الدكتور صنيتان أنَّ: مستقبل اللغة هو قرار سياسي بدأ بقول عمر أقرئ الناس بلغة قريش، وأكَّده أمر عثمان لكتبة المصحف إذا اختلفتم أنتم وزيد فاكتبوا ما اختلفتم فيه بلغة قريش، وهي قرار سياسي عندما قال معاوية لجلسائه: مَنْ أفصح العرب؟

(1) حافظ، محمود، قضية التعريب في مصر، مجلة اللغة العربية، الجزء: 84، (ص 92) ، القاهرة، مايو 1999 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت