الصفحة 16 من 89

زحفت عواصف الابتلاء على أمتنا الإسلامية حتى جعلتنا كالمعاقين في دور الإعاقة، فتتراءى لي أمتنا كالإنسان الذي لا قدرة له على الحركة، لكونه مثقلًا نفسيًا وفكريًا بآثار إعاقته، وتارة أتصور أننا كالمعاق من إحدى يديه، فُيتهم بمعاداة السامية، فتعمل المخابرات له المكائد حتى تبتر يده الأخرى، ثم يُكتشف أنه بريء لا هم له إلا كسب معاشه، فإذا هو يئن من ألم الظلم، ويتفطر قلبه من تضاعف الإعاقة، وتجتاحه موجات الحسرات النفسية، فكلما فكر، وتأمل في آماله وأحلامه، وتشتد حالته كلما عجز عن كسب يقتات به ولقد تعطلت عنده المخاوف، فلا يخاف من عدو يداهمه أكثر من تلك الدواهي التي ألمت به، فهذا شأن الأمة الإسلامية فهي معاقة مضطهدة؛ فأولئك المعتدون بجحافلهم الحربية والإعلامية والاقتصادية هم الذين عملوا على استحضار كل مسلم للأبيات الشعرية القديمة، وأحيوها جذلة:

أحلَّ الكفرُ بالإسلام ضَيْمًا ... يطولُ عليه للدِّين النَّحِيبُ

فَحَقُّ ضائعٌ وِحمى مُباح ... وسيفٌ قاطعٌ وَدَمٌ صَِبيبُ

أتسبى المسلمات بكل ثغر ... وعيش المسلمين إذًا يطيب

أما لله والإسلام عهد ... يدافع عنه شُبان وشيبُ؟

أليس الواقع المعاش أنهم يهاجمون الأوطان الإسلامية بالحرب الدامية والحروب الإعلامية، والحروب الفكرية بل الحروب التربوية؟

فكيف لا تعاق أمتي ولا حرب في الكون إلا ضدها، ولا دماء تسيل إلا دماؤها، ولا أنين الثكالى إلا من نساء أمتي، ولا تشريد للأطفال الأيتام إلا أيتام أمتي، ولا تخريب للديار إلا تدمير ديارهم ومنازلهم، وإشعال خيامهم؟ إن أمة تدعي الحضارة تدك حصون العزل والمشردين بأقوى الأسلحة، وتغزو الناس في أوطانهم لهي أمة خاسرة، ومع هذا يمكرون بأن أولئك الضعفاء المشردين خطر على الحضارة، فإن كانوا يمكرون وهم كذلك فالله خير الماكرين:

وكم من مسلمٍ أمسى سليبا ... ومسلمةٍ لها حرَمٌ سلِيبُ

أمورٌ لو تأملهنّ طفلٌ ... لطفَّلَ في عوارضه المشيبُ

تلك الحروب التي أدت إلى جانب من جوانب الإعاقة لامتنا، وتلك مسببات الإعاقة الجسدية، وما أمثلة الإعاقة الحربية التي خلفتها الحروب المعاصرة في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها إلا صورة لإعاقة الأمة، وما هي إلا صورة وثائقية تاريخية لماهية الحضارة المزعومة بالحرية والمساواة والعدل والديمقراطية.

وصورة وثائقية لماهية فكرهم، وقوة حقدهم، واشتعال روح التشفي في نفوسهم الملتهبة، فإنهم أخذوا يغزون المكونات المعنوية للإنسان المسلم، فإعلامهم أخذ يشل الحركة الفكرية، فلا حروب إلا ضد المسلمين،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت