تحكم حكمًا لا رجوع لك عنه، ولا مناص منه: أن شيخ الإسلام ابن تيمية ممن لا تقبل شهادته عندك، لأنه ادّعى رؤية الجن والكلام معهم، بصريح قوله الذي نتحدث عنه.
وأعيذ شيخ الإسلام بالله منك ومن اجتهادك، ومن ادّعائك نصرته والذّياد عنه. بل هو أرفع عندنا قدرًا، وأعلى علمًا، وأصدق قولًا، من أن نأخذه بمثل هذه الكلمة التي نُقلت عن الإمام الشافعي رضي الله عنه. والذي قاله شيخ الإسلام وحكاه عن نفسه وعن غيره ممن يثق به، نصدقه فيه، ولا نرى من دلالة الآية ما ينفيه. وأمامنا السنة الصحيحة تؤيده في إمكان الرؤية. لا نقصد بذلك إلى العموم الذي تُحرّف إليه الكلام:"تيسُّر رؤية الجن، كرؤية المرئيات العادية"- مما لم يقل به أحد قط فيما علمنا.
فانظر أين ذهبت براءَتك إلى الله من سوء الظن بشيخ الإسلام، وبراءتُك من رميه بالكذب - في صدر كلامك؟!
ما أجد كلمة أصف بها عملك هذا، أحسن من كلمة قالها الطبري في تفسيره، يصوّر بها تناقض من يردّ عليه، قال:"ثم نقض ذلك من قوله، فأسرع نقضه، وهدم ما بنى، فأسرع هدمه"!!
وتسألني - أيها الصديق القديم - أين كنت يوم نقدت ابن تيمية في تعليقاتك على بعض كتبه؟.
وسأجيبك:
كنت حاضرًا، أرى وأسمع، وأقرأ وأعجب. ولا أزعم أنك كنت مخطئًا في كل ما تقول، ولا مصيبًا في كل ما تنقد. وكان الصواب قليلًا نادرًا. وكنت أحاول التفاهم معك في بعض الحالات. فكنت تستقبلني بالهزء والسخرية، وقلب الجد مزاحًا، كعادتك التي اصطنعتها منذ بضع سنين. وكنت أسكت. ولا أظنك تنسى ما كان من اشتراكنا في إخراج تهذيب السنن لابن القيم، وكيف كنت أعارضك في كثير مما تكتب من التعليقات، التي أتحرّج من أن تنسب إليّ بحكم اشتراكنا في العمل. حتى اضطررنا إلى الاتفاق على أن يوقِّع كل واحد منا على ما يكتب. وكنت - في بعض الأحيان - إذا لم يعجبك حديث ثابت صحيح، ولم تستطع الحكم بضعفه - تذهب