إلى تأويله بما يكاد يخرجه عن دلالة الألفاظ على المعاني. وكنت أنصحك بأن هذه الطريقة هي التي ننعاها وينعاها علماء السنة على أهل الرأي. فلم تكن ترجع عن اجتهادك. ثم ازداد الأمر حين كتبت هامشة معينة، حاولت إقناعك ببطلانها، فأصررت على إثباتها، فعزمت عليك أن لا تفعل، وأعذرت إليك أنها إذا طُبعت في الكتاب نفضت يدي من الاشتراك في تصحيحه، إذ لا أستطيع وضع اسمي على كتاب يُنْشر فيه مثل هذا الكلام فتركت العمل فيه [1] .
ولا أذكر أني كتبت مقالًا، أو نشرت شيئًا تتبعت فيه سقطاتك، كما زعمت ذلك ونسبته إليّ.
ولذلك لم يعجبني قولك عني:"فليرح نفسه من يحاول ذلك، ويذهب متتبعًا سقطات". وكنت أتمنى أن لا تقوله، فإن الصدق في غيره.
وبعد:
فما كنت يومًا ما من المعوِّقين لك، الذين يلقون في طريقك الغبار والأشواك! فقد نسبتَ إليّ ما لم يكن، بل كان غيره هو الصحيح. فكنت أنصرك في أكثر مواقفك، وأدفع عنك قادحيك. وكنت - إذا أخذت عليك مأخذًا - نصحتك به مواجهة صريحة، غير ملتوية ولا متخاذلة. وكنت في أول أمرك تقبل نصحي، أو تقنعني بخطئي. ثم كانت عاقبة أمرك - معي على الأقل - أن لا تقبل نصحًا، وأن تركب رأسك، وتسير في طريقك. فنسكت ولا نعوِّقك ولا نلقي في طريقك غبارًا ولا شوكًا. بل لطالما أسأت إليّ، وأنا أعفو وأصفح، وأقابل إساءتك بالوفاء، والحرص على المودة القديمة التي كانت قائمة.
ولماذا ألقي في طريقك الغبار والأشواك؟ وأنا أراك منذ أكثر من عشر سنوات واقفًا على هُوَّة غطاؤها لا يكاد يتماسك، مما تُحَمِّلُه من أعباء. وتصنع به من أحداث. وأنا أدينك بخطك، لا
(1) كان ذلك بعد طبع الجزء الثالث، وقد أكمل الشيخ حامد تحقيق الكتاب بمفرده حتى الجزء الثامن.
(فتحي عثمان) .