دائرة غير دائرة الدين"ص 64."
هذا بعض قوله بحروفه، وأستغفر الله من حكايته؛ ولولا الضرورة إلى نقله لنقضه والتحذير منه لما فعلت.
1 -وقد بدأ معالي الباشا استدلاله بكلمة"أن الدين لله وأما سياسة الإنسان فللإنسان"وما هذه الكلمة إلا تحريف أو تحوير لكلمة ليست إسلامية؛ وليست عربية. كلمة فيها استسلام لاستبداد القياصرة؛ لا يرضاها مسلم ولا يرضاها عربي.
نعم: إن الدين كله لله، وإن الأمر كله لله، ولكن هذا الرجل والذين يظاهرونه يريدون أن يفهموا الدين على غير ما يعرف المسلمون، وعلى غير ما أنزل الله في القرآن؛ وعلى لسان الرسول. يريدون أن ينفثوا في روع الأغرار والجاهلين أن الدين هو العقائد والعبادات فقط، وأن ما سواهما من التشريع ليس من أمر الدين، عدوًا منهم وبغيًا، ثم لا يستحيي أحدهم أن يدعي أنه يفهم الدين، وأن يزعم أنه مكتف بما يسمر الله له من دينه، وأنه موقن بأن لا مزيد عليه عند كائن من كان من المسلمين!
2 -والأدلة في القرآن وبديهيات الإسلام على وجوب اتباع ما أنزل الله في كتابه وعلى لسان رسوله، في العقائد والعبادات، وأحكام المعاملات والعقوبات وغيرها، متوافرة متواترة؛ لا ينكرها مسلم ولا يستطيع. وأظن أن معالي الباشا سمع مرة أو مرات قول الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] . وقوله سبحانه: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} [المائدة: 49] ، أيجرؤ معاليه أن يتأول هذه الأيات ونحوها على أنها في العقائد والعبادات؟ وإن جرؤ على ذلك فماذا هو قائل في قول الله: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] ، وقوله: وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ. وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ