الأول: أن العاطلين كانوا يرون لهم حقوقًا على الدولة فيذهبون إلى ولي الأمر باسم هذه الحقوق، ليدبرهم أمرهم بما يراه .. وكانوا يذهبون بملء الكرامة والعزة، لأن صاحب الحق لا يكون ذليلًا ..
الثاني: أن الدولة تقر العاطلين على هذه الحقوق، وتعترف لهم بها، ولا تنكرها عليهم، بدليل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، استمع إلى شكاية الرجل ولم يزجره .. وأقَره على حضوره إليه ولم يطرده فلعل الذين يضيقون بالعمال، ويزجرونهم يتعظون بهذا الهدي النبوي ويعملون به.
الثالث: أن الدولة لا تكتفي فقط بالاعتراف بحقوق العاطلين، بل تدبر لهم العمل فورًا، ولا تتركهم إلى التسويف والمماطلة، فقد رأينا الرسول عليه الصلاة والسلام لم يأمر الرجل بالانصراف إلا بعد أن دبَّر له العمل والمكان الذي يعمل فيه. وهذا أقصى ما تطمح إليه أنظار العمال في العالم.
الرابع: اطمئنان الدولة على يسر العامل ورخائه، فقد رأينا الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكتف بإيجاد العمل للعاطل، بل طلب أن يعرف ما صارت إليه حالته ليطمئن عليه.
الخامس: ولي الأمر عليه أن يزود العامل بآلة العمل، فللنجار آلة النجارين، وللحداد آلة الحدادين، وهكذا لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جهز الرجل بآلة العمل، إذا أحضر القدوم، ووضع لها اليد، ودفعها إليه.
السادس: تأهيل النبي - صلى الله عليه وسلم - العاطل تأهيلًا نفسيًا وماديًا للعمل، أما تأهيله نفسيًا فحيث أمره - صلى الله عليه وسلم - بتزويد الأهل بالطعام كي يفرغ من التفكير في شأنهم لبعض الوقت وينقطع إلى العمل، وأما تأهيله ماديًا فكان بتزويده بآلة العمل الصالحة للإنتاج بعدما شد عودًا في القدوم بيده الكريمة.
السابع: اهتمامه - صلى الله عليه وسلم - بالتعرف على نتيجة تدبيره له حيث قال عليه أفضل الصلاة والسلام (( اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يومًا ) )فكأنه - صلى الله عليه وسلم - أعطاه فرصة خمسة عشر يومًا للعمل بموجب تدبيره، فإن استفاد من هذا التدبير فنعم، وإلا ينظر له حلًا آخر.
يقول الأستاذ إبراهيم النعمة: (وهذا الحديث لم يكن مختصًا بالاحتطاب فقط، بل يشمل الأعمال المباحة التي يستطيع العامل القيام بها كلها .. ) [1] .
ويقول حسن العناني: (والمثير للعجب والدهشة في هذه القصة أن الحلس والقعب وهما من أخص ضرورات البيت آنذاك رأس المال الذي موَّل الرسول عليه الصلاة والسلام بثمنها ما يتطلبه العمل من أدواته بعد تأمين الأسرة على ضروراتها العاجلة من الطعام بذلك لم يكتف الرسول عليه الصلاة والسلام أمام تلك المشكلة بمجرد التوجيه والتوصية، ولكنه إلى جانب ذلك تقدم بمجهوده وخبرته فشارك صاحبه نسج الخطة التي يبتدئ بها حياة العمل والكفاح والاستثمار، فأعد له القدوم بيده ووضع له ضوابط العمل ليأتي بثماره المرجوة من حشد طاقاته للعمل
(1) إبراهيم النعيمة، مرجع سابق، (ص 90) .