يعيش الإسلام العظيم هذه الأيام محنةً كبيرةً عظيمة، والمتأمّل في بدايات هذه المحنة ثمّ في مؤشّرات امتدادها توقّعًا لتحديد وقت نهايتها تصدمه تلك المسافة الكبيرة بين هذه البداية والوقت الراهن، فضلًا عن النهاية التي لا يظهر في الأفق القريب أو البعيد مؤشرًا لقرب وقوعها.
ومثل هذه الحال تصدم القلوب بعنف فتسحق كثيرًا منها تحت وطأتها وشدّتها، ومن ثمّ وجب على كلّ مستطيع لهذه الحال أو بعضها دفعًا أن يُسارع لسقيا القلوب بماء الصبر ومعالجتها بدواء اليقين.
وقد عدت إلى الكتاب والسنّة وتاريخ الأمة أستلهمهم الرأي الصواب في الموقف الذي يتبناه القلب وتركن إليه الجوارح، فوجدت برد اليقين وكامل الطمأنينة، لقد وقفت على الشدائد والمحن التي نزلت بالإسلام طيلة تاريخه الممتد لأربعة عشر قرنًا، كيف كان حاله معها، وكيف واجهها، وإلام صار حاله بعد زوالها، وكيف أنّ شجرة الإسلام التي هبّت عليها العواصف من كلّ ناحية فأسقطت ثمارها وأذبلت ورقها وكسّرت فروعها وخلخلت أصلها حتى ظنّ كثير من المسلمين بربهم الظنون وحسبوا أنّ الإسلام العظيم يوشك أن يكون أثرًا بعد عين، فإذا المحنة تمرّ، والعاصفة تمضي، ويبقى الإسلام، فتستعيد شجرته الثبات والتجذّر، وأغصانها وفروعها التماسك، وأوراقها وثمارها الخضرة والينعة، وتمتد ظلالها حتى تسابق النهار.
ثم ينقلب بصري إلى واقعنا الذي نعيش فيه فلا تيئسني المحن والشدائد، ولا تقنطني الرزايا والبلايا لأني موقن أنّ العاصفة ستمرّ ويبقى الإسلام، الشمس رايته، وما غطت السماء دولته، وليبلغن ملكه ما بلغ الله والنهار.
وقد شاء الله أن أسجّل هذه الرّحلة المطمئنة في هذا الكتاب، جعلته رسالة إلى القلوب المؤمنة والنفوس المسلمة الذين يؤرّقهم في الليل والنهار واقع أمتهم ويقلقون لمستقبلها.