الصفحة 57 من 118

المحنة

بعد مقتل ثالث الخلفاء الراشدين عثمان رضي الله عنه، بدأت تظهر في المسلمين فرق مبتدعة تخالف أهل السنة والجماعة في بعض منهجهم، وقد كان الخوارج أول هذه الفرق ظهورًا ثم زاد في عددهم أنَّ كل فرقة تظهر تتقدم فرقة جديدة مناقضة للتصدّي لها.

وقد كان للسلطة الشرعية دور كبير في كبت هذه الفرق والتضييق على دعاويها وقد ثبت في العهد الأموي ثم العباسي قتل رءوس بعض الفرق الضالة عقابًا لهم على الترويج لها ونشرها في الأمة حتى جاء المأمون العباسي الذي قلب الموازين فاختلف الناس وصارت المحنة التي حفظ الله فيها دينه من التحريف والتزوير، ولنبدأ في بيان ذلك مستعينين بالله:

"لم يكن قبل المأمون لأصحاب هذه المذاهب المخالفة لما عليه العامة حرية البحث وإظهار الآراء بل كانوا يخشون العامة ولم تكن لهم قوة من الخلفاء يرتكزون عليها لأن الخلفاء كانوا كذلك يراعون العامة لأن القوة فيها، فلما جاء المأمون رأى أن يجمع إليه العلماء من المتكلمين والفقهاء وأهل الحديث ويجعل لهم مجالس المناظرة ويظهر أنه كان يرمي إلى أن يتفق هؤلاء العلماء على رأي فيما يلقي عليهم من المسائل ليحمل الجمهور على ذلك الرأي وتتفق كلمة الأمة ولا سيما فيما يتعلق بمباحث أصول الدين ومباحث الإمامة" [1] .

كان الاعتزال هو المذهب المنتشر في عهد المأمون حتى أن أعوانه ومستشاريه أمثال عينة بشر المريسي وثمامة بن أشرس وأبي الهذيل العلاف كانوا يدعونه إليه وينفثون سمومهم في رأسه حتى تأثر بهم واعتنق مذهبهم الذي خالف مذهب السلف في النقاط التالية:

-القول بأن أفعال العباد مخلوقة لهم لا لله.

-القول بأن مرتكب الكبيرة ليس بمسلم ولا بكافر بل هو في منزلة بين المنزلتين.

(1) الدولة العباسية: محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية، محمد الخضري: (ص 168) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت