وترتب على ذلك أمور عظام؛ إذ وقعت بعد ذلك مآسٍ ومصائب عظام، منها فقد الأمة عددًا كبيرًا من الصحابة، وآل البيت عليهم السلام، في مواقع وأحداث مؤسفة، كان لها أثرها العظيم في الفرقة بين المسلمين إلى اليوم.
ثم كان مشروع الحسن بن عليّ رضي الله عنه في الصلح بين المسلمين وجمع كلمتهم وتوحيد صفّهم نعم العمل الذي يصدر عن وارث حلم جدّه وعلم أبيه ومحبّ الخير للمسلمين، وكان هذا الصلح العظيم نهاية هذه العاصفة الشديدة التي بقيت تعصف بالمسلمين طيلة خمس سنوات أو يزيد، حتى منّ الله بزوالها على يدي ذلك المصلح الكبير، سيد المسلمين الحسن بن علي بن أبي طالب، كما أخبر بذلك جدّه نبينا صلى الله عليه وسلّم، فقد روى البخاري عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى المِنْبَرِ - وَالحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ -، وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً، وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ:"إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ" [1] .
بقي الإسلام وذهبت تلك العاصفة الكبيرة لكن بقيت درسًا للمسلمين في كلّ زمان ومكان، يتعرفون إليها، ويتعلمون منها، ويتبصّرون بنتائجها، ويحذرون من سيّئاتها وعواقبها.
عادت دولة الإسلام إلى وحدة شعبها من جديد، واستقرّت أمورها الداخلية في الغالب، وتوجّهت جيوشها ناحية الخارج تؤمن الحدود وتؤدّب المعتدين وتفتتح الفتوح وتنشر الدين، ومضت الأمور في هذه السبيل عقود بل قرون، حتى أتت محنة عظيمة تعصف بقلوب المؤمنين، لقد كانت هذه المرّة محنة شبهات، لكنها كانت محنة عاصفة، شديدة، هوجاء، تدمّر الأخضر واليابس في القلوب ولا تبقي فيها ولا تذر، فماذا عنها، ما هي، وما خبرها؟ وما الذي آلت إليه في نهاية أمرها؟
هذا ما تقفنا عليه الصفحات القادمة بمشيئة الله تعالى.
(1) أخرجه البخاري (2704) ، وانظر في تفاصيل الصلح: كتاب"مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري" (102 - 125) للدكتور خالد الغيث، وكتاب الحسن بن علي شخصيته وعصره، للدكتور علي الصلابي، الفصل الثاني.