الاستخراب
لكلّ حضارة في العالم خصائص تميزها وتستمد منها هويتها وأسس بنائها، وقد تميزت الحضارة الإسلامية على مر العصور بدينها الذي جاء عامة للناس الفقير منهم والغني، الأمي منهم والمتعلم، الصغير والكبير، الرجال والنساء، شاملًا كاملًا خاتمًا للرسالات من قبله، متمِّمًا للناس الشريعة والأحكام، منظمًا سبل معايشهم وطرق التعامل بينهم.
ولمّا رأى أعداء هذا الدين وقعه على المجتمع وسرعة انتشاره وتأثر الناس به، خاصة إذا عرفوا ما يقوم عليه من الأخلاق وأسس العدل والمساواة وغيرها من القيم والمبادئ التي يبحث عنها كل عاقل على الفطرة السليمة، ثم شاهدوا عيانًا توسع الخيرات والنفوذ ونزول البركات عليهم باتباعهم أحكام الشرع وابتعادهم عن همجية الجاهلية، توجهوا إلى محاربته بشتى الوسائل وعلى جميع الجبهات ليشوهوه وينالوا منه وينتقصوا من شأنه ولو تمكنوا لمحوه من الأرض محوًا، ولكن للدين رب يحميه فكلما تجمعوا ومكروا وخادعوا وهموا بضربه خرج منها راسخًا شامخًا على محياه ابتسامة سخرية يكيد بها مبغضيه، وترى الناس بعد هجماتهم قد زادت إقبالًا عليه ودخولًا فيه.
كان من الأساليب التي اعتمدتها الدول الكافرة للوصول إلى هدفها: الغزو العسكري بالقوة والسلاح والذي أطلق عليه زورًا وكذبًا اسم الاستعمار، وما هو في الحقيقة إلا استخراب واستنزاف واستدمار.
عُرِّف الاستعمار بأنه ظاهرة تهدف إلى سيطرة دولة قوية على دولة ضعيفة من أجل بسط نفوذها لاستغلال خيراتها في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وهو بالتالي يعتبر نهبًا وسلبًا لمعظم ثروات البلاد المستعمرة مع تحطيم كرامة الشعوب وتدمير تراثها الديني الحضاري والثقافي، وكذلك فرض ثقافة الدولة المستعمرة.
ارتبطت ظاهرة الاستعمار بالثورة الأوربية وعصر الاستكشاف، وقد ظهرت أول حركة استعمارية في بداية القرن الخامس عشر الميلادي تحديدًا بتأسيس المستعمرة البرتغالية سنة 1415 ه ثم توسعت بشكل كبير في القرنين الثامن والتاسع عشر.