الفتنة بين الصحابة
الوحدة هي أعظم أسلحة المسلمين - بعد الإيمان بالله تعالى - في النصر والدفاع على سواء، ولم يعرف زمانٌ قط انتصر فيه على المسلمين أعداؤهم إلا وهم متشرذمون، بل ما جرؤ هؤلاء يومًا على المسلمين إلا وهم أشتات متفرّقون، أما وهم وحدة واحدة وجماعة متماسكة وصفٌّ مرصوصٌ فلا، لهذا كان تفرّق الصفّ الإسلامي أعظم الأخطار التي واجهت الإسلام في كل زمان ومكان، ومن ثم كانت دعوة الإسلام إلى الوحدة ونبذ الفرقة في كثير من آيات القرآن وأحاديث السنّة وأحداث السيرة، ولنقرأ معًا هذا الخبر يغنينا في هذا الباب: أخرج ابن إسحاق عن زيد بن أسلم قال: مرّ شاس بن قيس وكان شيخًا عظيمَ الكفر، شديدَ الضغن على المسلمين، شديدَ الحسدِ لهم على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم، يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من أُلْفَتِهِمْ وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية فقال: قد اجتمع بنو قيلة بهذه البلاد، واللهِ مالنا معهم إذا اجتمعوا بها من قرار، فأمر فتى شابًا معه، فقال: اعْمدْ إليهم فاجلس معهم، ثم ذكِّرْهم يوم بُعَاث وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، وكان يوم بعاث يومًا اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج، ففعل، فتكلم القوم عند ذلك، وتنازعوا وتفاخروا، حتى تواثبَ رجلان من الحَيَّيْنِ فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إنْ شئتُم واللهِ رَدَدْناها الآن جذعة، وغضب الفريقان جميعًا وقالوا: قد فعلنا، السلاحَ السّلاحَ، موعدكم الحَرَّة، فخرجوا إليها، وانضمَّتْ الأوسُ بعضُها إلى بعض، والخزرجُ بعضُها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية، فَبَلَغَ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَخرجَ إليهم فِيمَنْ معه من المهاجرين من أصحابه، حتى جاءهم، فقال: يا معشرَ المسلمين، اللهَ الله، أَبِدَعْوى الجاهلية وأنا بين أَظْهِرِكم، أَبَعْدَ إذ هداكم اللهُ إلى الإسلام، وأكرمَكم به، وقطعَ به عنكم أمرَ الجاهلية، وَاسْتَنْقَذَكُم به مِنَ الكفر، وَأَلَّفَ به بينكم، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارًا، فعرفَ القومُ أنها نزغة من الشيطان، وكيد من عدوهم لهم، فألقوا