الصفحة 50 من 118

السلاح، وبَكَوْا، وعانق الرجالُ بعضهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين، قد أطفأ اللهُ عنهم كيدَ عدوهم، وأنزل الله في شأن شاس بن قيس وما صنع قولَه عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ أخوانا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ *} [1] .

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهض كلّ دعوة من شأنها إثارة العصبيّة وبذر الفرقة بين المسلمين، لما يعلم لها صلى الله عليه وسلّم من نتائج وخيمة ومفاسد عظيمة، وظلّ المسلمون كذلك يتقون وقوع هذا الشرّ بينهم، ويغيشون في اجتماع ووحدة وتماسك طيلة حياة النبي صلى الله عليه وسلّم، فزمان خليفتيه أبي بكر ثم عمر، وكلما بدت نار فرقة سارع المصلحون المخلصون لوأدها في شرارتها الأولى.

فلما كانت وفاة أمير المؤمنين عمر وخلافة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنهما بدأت الفتن تطلّ برأسها، فإن عمر كان الباب الذي يحول بين الأمة وبين الفتن فلما مات انكسر الباب وانهمرت الفتن على المسلمين انهيارًا، وكان أعظم هذه الفتن الاقتتال بين الصحابة!

سرعان ما جرت الأحداث بعهد ذي النورين عثمان رضي الله عنه ومارت الفتن حتى انتهت بقتله شهيدًا - كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلّم [2] - على أيدي نفر من شراذم وشذاذ الآفاق، أتوا من مصر والعراق وغيرهما، ادّعوا عليه - ظلمًا وبهتانًا- دعاوى استحلّوا بها قتله، ومضى عثمان إلى ربّه راضيًا مرضيًّا صابرًا

(1) انظر: السيرة النبوية لابن هشام: (2/ 204 - 206) .

(2) انظر البخاري (3674 و 3305) ومسلم (2403) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت