مصابرًا بعدما أقسم على الصحابة ألا يسفكوا لأجله دمًا ولا يقتلوا إنسانًا وبعدما رفض أن يسير إلى بلد من البلاد تكون له بها منعة أو يبعث إليه ولاته بجند تتوفر له بسببهم حماية.
بعد مقتل عثمان رضي الله عنه مظلومًا [1] ولي عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه الخلافة بمبايعة من الصحابة وجميع أهل المدينة - على كره منه للخلافة ورفض منه للبيعة - وبعد مرور خمسة أيام على مقتل الخليفة الشهيد، فقبل رضي الله عنه البيعة حسمًا لمادّة الخلاف ولئلا تترك الأمور لأولئك الغوغاء [2] .
كانت البيعة لعليّ رضي الله عنه في عام 36 ه وبعد بيعته بأيّام جاءه طلحة والزبير رضي الله عنهما وطالباه بأخذ الثأر من قتلة عثمان وكان هذان الصحابيان الجليلان أول من بايع عليًّا، رضي الله عنهم أجمعين، فماذا كان جواب عليّ على طلبهما؟ اعتذر علي رضي الله عنه إليهما بأنّ قتلة عثمان كثرة فمن الفطنة تأجيل الأمر بعض الوقت حتى يتم له التمكن في الحكم وجمع شتات الناس وكشف هؤلاء المجرمين وتعريتهم من المنحازين إليهم والمتعاطفين معهم، لقد كان هذا العذر نفسه هو الذي منع عثمان رضي الله عنه من قتالهم لئلا تكون فتنة تسفك فيها دماء المسلمين، خلاف صغير في وجهات النظر، لكن بدأ منه الخلاف الكبير الذي أسفر عن فرقة المسلمين إلى فريقين، فريق مع عليّ رضي الله عنه وفريق يخالفه، وأسفر كذلك عن حربين عظيمين حدثت فيهما مقتلة عظيمة وسفكت فيهما دماء كثيرة، هما حرب الجمل وحرب صِفّين.
لقد غضب طلحة والزبير ومعهما أم المؤمنين عائشة - رضي الله عن الجميع- من قول عليّ بتأجيل القصاص ورفضوا اجتهاده في ذلك، وزاد الأمر سوءًا رفض معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه - البيعة لعليّ حتى يأخذ بحقّ عثمان ممن قتلوه، وكان معاوية عامل عثمان على الشام وأولى النّاس بدمه من قومه- فتأخرت بذلك بيعة الشام بأسرها عن عليّ لأجل هذا السبب!
(1) روى الترمذيّ (3708) وأحمد في مسنده (2/ 115) وحسّنه الألباني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنةً فقال:"يقتل فيها هذا المقنع يومئذٍ مظلومًا فنظرنا فإذا هو عثمان بن عفان".
(2) انظر العواصم من القواصم، ابن العربي: (ص 146) ، وصحيح مسلم (2401) ، ومصنف ابن أبي شيبة (7/ 443) ، وتاريخ ابن عساكر (42/ 535) .