تأزمت الأمور أكثر وأكثر بخروج طلحة والزبير إلى مكة لمقابلة عائشة رضي الله عنها وكانت في الحج، ثم خرجوا جميعًا مع عبد الله بن عامر والي البصرة الذي ذكر لهم أنّ له أعاوانًا في البصرة يؤيدونه للمطالبة بدم عثمان والوقوف في وجه قتلته، فخرجوا معه جميعًا إلى البصرة وكان غرضهم من ذلك جمع الأعوان والنصرة للمطالبة بدم عثمان رضي الله عنه، ومما قاله الزبير في ذلك:"خرجنا لنستنهض الناس ليدركوا دم عثمان لأَنْ لا يبطل فإن في إبطاله توهينًا لسلطان الله بينا أبدا فإذا لم يفطم الناس على أمثاله لم يبقى إمام إلا وقتله هذا الصنف من الناس" [1] ، وهذا يؤكّد على أنهم ما قصدوا إلا الخير، وإن أخطأوا الطريق إليه، فذلك كله موكول إلى تقدير وتنفيذ الإمام الذي بايعه الناس، وكذلك أخطأ معاوية رضي الله عنه في اجتهاد بتأخير البيعة، إذ ما كان له أن يحبس البيعة عمن بايعه المسلمون، بل يدخل فيما دخل فيه الناس، ولقد كان دخوله في البيعة - لو فعل - مصدر القوة الذي كان ينتظره عليّ رضي الله عنه، وحسم لمادة الشرّ الكبير الذي وقع بعدها، لكن وقع ما قدّره الله وكان أمر الله قدرًا مقدورًا.
لما سمع عليّ رضي الله عنه بخروج أولئك الصحابة إلى البصرة خرج هو الآخر إليها يريد ردّهم عما أرادوا من خلاف قوله ولئلا يجمعوا الناس ويحزّبوهم فتكون فتنة، ولما وصل إلى البصرة بعث القعقاع بن عمرو رسولًا إلى أم المؤمنين ومعها طلحة والزبير، فلما أتاهم قال لأمه عائشة: أي أماه، ما أقدمك هذا البلد؟ فقالت: أي بني الإصلاح بين الناس، فقال لها: هلا ناديت طلحة والزبير. فدعتهما فأقبلا، فقال لهما القعقاع: إني سألت أمنا عائشة ما الذي أقدمها إلى البلاد؟ فقالت: إني جئت للإصلاح بين الناس، فقالا: ونحن والله ما جئنا إلا لذلك، فقال لهما القعقاع: أخبراني وما وجه هذا الإصلاح، ما السبيل إليه، وعلى أي شيء يكون؟ فوالله إن عرفناه لنصطلحن، فقال طلحة والزبير: أن يقتل علي قتلة عثمان، فإن ترك علي هذا الأمر كان علي بذلك تاركًا للقرآن.
فقال القعقاع: يا طلحة يا زبير لقد تحمستما وقتلتما قتلة عثمان من أهل البصرة فغضب لهؤلاء الذين قتلوا ستة آلاف، فإن تركتموهم وقعتم فيما تزعمون أن عليًّا
(1) انظر: تاريخ الرسل والملوك: (3/ 29)