وقع فيه، وإن قاتلتموهم وقعت مفسدة هي أعظم من الأولى، وقال أيضًا: إنما أخّر عليّ قتل قتلة عثمان إلى أن يتمكن منهم، فإن الكلمة الآن في جميع الأمصار مختلفة!
فقالت عائشة: فماذا تقول أنت يا قعقاع؟ قال: يا أماه، إن هذا الأمر الذي وقع دواؤه التسكين، فآثروا العافية وكونوا مفاتيح خير كما كنتم ولا تعرضونا للبلاء، فهذا الأمر الذي وقع أمر عظيم، فقالوا جميعًا: أصبت وأحسنت، فارجع إلى عليّ إن كان لعلي مثل رأيك صلح الأمر.
وهنا يكون كل شيء على ما يرام ويكون علي قبل الصلح وعائشة وطلحة والزبير قبلوا الصلح وكلهم في غاية الفرح والسعادة برجوع الأمور إلى نصابها.
ورجع القعقاع إلى عليّ فأخبره ذلك، وأشرف القوم على الصلح، كره ذلك من كرهه، ورضيه من رضيه [1] .
فما الذي حدث؟
بات قتلة عثمان - وكانوا قد خرجوا ينظرون إلى ماذا ستنتهي تلك المفاوضات- فلما علموا باستقرار الفريقين على الصلح وعلموا أنها القاضية عليه، وأن القوم سيفرغون لقتلهم، ائتمروا وتشاوروا ثم نظرو وفكروا ودبّروا، فقتلوا كيف دبروا، فقسموا أنفسهم فريقين ودخل كل فريق منهم إلى معسكر من المعسكرين في جنح الظلام، حتى إذا طلع الصباح هاج الفريقان يخيلون للناس أن المعسكر المقابل هجم عليهم، وانطلت الحيلة على المعسكرين فقاموا إلى الحرب، كلّ منهم يقول: قد غدر بنا الآخرون! [2] .
ووقعت على إثر ذلك مقتلة عظيمة، وطارت أشلاء وجرت أنهار الدماء، وكان فيمن قتل يومئذ، طلحة والزبير رضي الله عنهما.
لقد كانت - موقعة الجمل هذه - فتنة بين إخوة متحابين ظلوا إلى أن مضوا إلى ربّهم يضمرون الخير ويقولونه ويفعلونه، لكن وقع ما وقع عليهم من تدبير وحياكة من غيرهم، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا.
(1) تاريخ الرسل والملوك: (3/ 29) ، بواسطة الفتنة بين الصحابة، لمحمد حسان: (220) .
(2) انظر تاريخ الرسل والملوك: (3/ 39) ، والبداية والنهاية (7/ 420) .