ثم كانت موقعة صفِّين بين جيش الشام بقيادة معاوية وجيش العراق بقيادة عليّ وقد وقع القتال كذلك على كره منهما، قال شيخ الإسلام:"وأكثر الذين كانوا يختارون القتال من الطائفتين لم يكونوا يطيعون لا عليًّا ولا معاوية، وكان علي ومعاوية رضي الله عنهما أطلب لكف الدماء من أكثر المقتتلين، لكن غُلبا فيما وقع، والفتنة إذا ثارت عجز الحكماء عن إطفاء نارها، وكان في العسكرين مثل الأشتر النخعي، وهاشم بن عتبة المرقال، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وأبي الأعور السلمي، ونحوهم من المحرضين على القتال قوم ينتصرون لعثمان غاية الانتصار، وقوم ينفرون عنه، وقوم ينتصرون لعلي، وقوم ينفرون عنه ثم قتال أصحاب معاوية معه لم يكن لخصوص معاوية، بل كان لأسباب أخرى. وقتال الفتنة مثل قتال الجاهلية لا تنضبط مقاصد أهله واعتقاداتهم، كما قال الزهري:"وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوافرون، فأجمعوا أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن فإنه هدر؛ أنزلوهم منزلة الجاهلية .. وهذا كله سواء كان ذنبًا أو اجتهادًا، مخطئًا أو مصيبًا، فإن مغفرة الله ورحمته تتناول ذلك بالتوبة والحسنات الماحية والمصائب المكفرة وغير ذلك" [1] ."
وما من شكّ في أنّ عليًّا وأصحابه كانوا أدنى الطائفتين إلى الحقّ، من أصحاب معاوية، وأصحاب معاوية كانوا باغين عليهم [2] .
ومع هذا وقع القتال ولا حول ولا قوة إلا بالله، واحتدم بقوّة، وأسفر عن قتلى كثر من الفريقين، وكانت الهزيمة آخرًا في جيش معاوية ولأجل هذا سارعوا برفع المصاحف على أسنّة الرماح يطالبون بالتحاكم إلى كتاب الله، الأمر الذي لم يعره عليّ اهتمامًا في البداية وحقّ له؛ إذ أدرك أنها خدعة للانقلاب على نتيجة المعركة، وأما كتاب الله فما خرج عليّ إلا لنصرته وإنفاذ حكمه!
أبى فريقٌ كبير من جيش عليّ إلا الاستجابة لطلب جيش الشام فتركوا القتال، ووجد عليّ نفسه مرغمًا على التحكيم، فاختار الفطن اللبيب أبا موسى الأشعري
(1) منهاج السنّة النّبويّة، لابن تيميّة: (4/ 469) .
(2) انظر: البداية والنهاية (7/ 277) .