رضي الله عنه ليمثله، كما اختار معاوية رضي الله عنه الصحابي الجليل عمرو بن العاص ليمثل وجهة نظر أهل الشام.
ما الذي حدث في هذا التحكيم؟ قال الناس في ذلك ما قالوا، وما كان الصواب في شيء مما قالوا، إلا ما ساقه الدارقطنيّ بسند صحيح عن التابعي الثقة حضين بن المنذر أنه سأل عمرو بن العاص عن ذلك فقال عمرو - يحكي ما وقع بينه وبين أبي موسى:"قلت لأبي موسى: يا أبا موسى، ما ترى في هذا الأمر؟ فقال أبو موسى: أرى أنه في النفر الذين توفّي رسول الله - صلى الله عليه وسلّم وهو راض عنهم، فقال عمرو: فأين تجعلني أنا ومعاوية؟ فقال أبو موسى:"إن يستعن بكما ففيكما المعونة، وإن يستغن عنكما فطالما استغنى أمر الله عنكما" [1] ."
ثم اتفق الحكمان - عمرو وأبو موسى- على تأجيل القضاء في الأمر سبعة أشهر وكان الوقت في شهر صفر فتنتهي في رمضان، لكن قدّر الله أن يموت عليّ رضي الله عنه خلال هذه المدّة! [2] .
لقد كان خروج الصحابة طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم إلى مكة ثم قصدهم المدينة بمن معهم من الناس، ثم عدولهم عن المدينة إلى البصرة للازدياد من الأعداد لأن من معهم معنا لن يقدر على أولئك الغوغاء في المدينة، اجتهادًا اجتهدوه رضي الله عنهم وأخطأوا فيه، كتب الله لهم أجر اجتهادهم وعفا عنهم بمنّه وفضله لسابقتهم، فقد سبقت لهم من الله الحسنى والوعد بالمغفرة.
وكانت رغبة الصحابي الجليل معاوية رضي الله عنه حث عليّ رضي الله عنه على التعجيل بأخذ القصاص من قتلة عثمان ولهذا أجّل البيعة لعليّ، اجتهادًا منه رضي الله عنه، وأخطأ فيه، كتب الله له أجر اجتهاده وغفر له بمنه وكرمه، وعلمه بصدق إيمانه وحسن إسلامه الذي شهد له به رسوله ونبيّه صلى الله عليه وسلّم.
وكانت نظرة عليّ رضي الله عنه نظرة ماحصة صادقة من بصير بالأمور ومجاريها وتقدير سديد سليم لها ونظر ثاقب إلى مجاري الأمور اليوم وما تئول إليه غدًا، لكن جرت رياح المقادير بخلاف ما يشتهي!
(1) أخرجه ابن عساكر: (46/ 175) ، وانظر: العواصم من القواصم (ص 180) .
(2) انظر: تاريخ الرسل والملوك: (3/ 103) ، وتاريخ ابن عساكر: (65/ 153) ، وطبقات ابن سعد (3/ 35) .