اجتماع الأحزاب للقضاء على الإسلام في المدينة ومنّة الله تعالى بالنصر
مضى النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون إلى المدينة ينعمون بوطنهم الجديد أمنًا وسلامًا وطمأنينة، الأمر الذي لم يُرض قريشًا ومعهم المشركون في سائر أرجاء الجزيرة، فزحفوا مرة بعد مرّة للقضاء على دولة الإسلام!
ولئن كانت قريش قد خرجت في بدر وفي أحد بمحاربي مكة فلم يفلحوا في القضاء على الدولة الناشئة، فإنّ ذلك لم ييئسهم من المحاولة مرة ثالثة لكن هذه المرة كانت بمعاونة المشركين من جزيرة العرب جميعها، بل عاونهم في ذلك أيضًا اليهود في المدينة!
إنه اجتماع أشتات الكفار من كلّ اتجاه إذن للقضاء على الإسلام ودولة الإسلام وأهل الإسلام، جاءوا في كثرتهم الساحقة، فيهم المشرك والكتابيّ، الحربيّ والمعاهد، البعيد والقريب، الأميون والرساليّون، قد اجتمعت كلمتهم وتوحّد هدفهم على أن لا يذروا للإسلام بعد اليوم أرضًا ولا يتركوا من أهله نسمة حيّة!
كان ذلك في السنة الخامسة من الهجرة [1] ، وقد عرفت هذه الأحداث بغزوة الأحزاب، وفي الاسم - ابتداء - خير دلالة على خطورة الأمر وعظمة هوله وشدّة وطأته على المسلمين في المدينة، الأمر الذي عبّر عنه القرآن بقوله: {إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) } .
لقد غلبت الظنون على بعض الأذهان أن يُغلب الإسلام، أو يُستأصل المسلمون، وأنّ ما وعد الله نبيّه من النصر لن يكون [2] ، إلى آخر هذه الظنون الكاذبة التي تهجم على النفوس في وقت الأزمات والمدلهمّات يهيجها الشيطان ويوسوس بها في
(1) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام: (1/ 214) ، وهو قول جمهور أهل السير والمغازي، انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، د. مهدي رزق الله: (ص 443) .
(2) انظر: جامع البيان، الطبري: (20/ 222) .