الصفحة 93 من 118

فأما الإيجابية فبظهور نخبة بارزة من المؤرخين الأفذاذ الذين سجلوا بين طيات كتبهم مثل هذه الوقائع حتى تبقى شاهدة على طغيان الصليبيين وخبث نواياهم ولا تسول لهم أنفسهم بطمس جرائمهم ومحاولة مواراتها، و نذكر منهم ابن عساكر (ت 1176 م) مؤلف تاريخ مدينة دمشق، وابن القلانسي (ت 1160 م) مؤلف ذيل تاريخ دمشق، وابن الأثير (ت 1232 م) مؤلف كتاب الكامل في التاريخ، والتاريخ الباهر، والقاضي بهاء الدين ابن شداد (ت 1234 م) مؤلف سيرة صلاح الدين الأيوبي تحت عنوان النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية.

أما النتائج السلبية- والتي لها الوقع الأكبر والأثر الأعظم- فهي سرقة كنز عظيم من العلوم والاكتشافات والخبرات في شتّى المجالات، التي سجلها المسلمون عبر مرِّ الأزمان، فوجدوا بذلك الخلاصة النقية التي ترجموها ثم وظفوها أحسن توظيف للرقي بحضارتهم، بينما طمسوا وحرقوا وأتلفوا الأصل فبدأت من وقتها حضارة المسلمين في الاندثار وضاعت جهودهم وتقهقرت الأمة حتى نرى ما آلت إليه الأحوال اليوم والله المستعان.

إن الحملات الصليبيّة لم تنته في الحقيقة وإن انتهت في الظاهر، فقد تخلّص المسلمون من الحروب لكنهم لم يتخلّصوا من الأحقاد والمؤامرات والأفخاخ، ولئن نعم المسلمون بعض الوقت في هدوء وراحة من قبل المهاجمين الصليبيين ومضت على ذلك مدة، فلقد كانت التدابير في الغرب تعمل على قدم وساق للعودة من جديد لإشباع أطماعهم وشفاء غلّهم، ومن ثمّ كانت محنة جديدة شديدة نزلت بديار الإسلام، وكان لها فيه أثر بالغ هو أضرّ من أثار هذه الحروب الصليبيّة، يقول جيمس واترسون:"مخطئ من يعتقد أن الحروب الصليبية ليس لها علاقة بالأحداث التي تجري اليوم في العالم العربي والإسلامي، إنها وثيقة الصلة بها إن لم تكن بسببها أوامتدادًا لها" [1] .

كانت عاصفة شديدة قوية هي عاصفة الاستعمار، وهو ما نقف عليه في الصفحات التالية:

(1) سيوف مقدسة (ص 13)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت