الصفحة 58 من 118

-نفي صفات الله عز وجل وتعطيلها ومنها تفرّع قولهم بخلق القرآن وهو مدار هذه

المحنة العظيمة.

لم يكن المأمون طيلة أربع سنوات يجبر أحدًا على اعتناق ما اعتنقه، غير أنه كان يعرض الأمر على المقرّبين منه لاستمالته إياهم، ولكن هذا الوضع لم يعجب رءوس الفتنة فراحوا يؤلبونه ضد العلماء والفقهاء ممن يعرفون تأثيرهم على العامة حتى انتهى سنة 218 ه إلى إجبارهم على القول بخلق القرآن واعتبار كل مخالف كافرًا لا نصيب له من الإيمان، وبعث بكتاب إلى إسحاق بن إبراهيم عامله على بغداد أمره فيه بجمعهم وامتحانهم في ذلك، فلما جمع أول نفر أجابوه إلى ذلك وقالوا إن القرآن مخلوق فخلى سبلهم وأفشى أمرهم بين الناس ليقتدي بهم بقية العلماء.

ثم أعاد المأمون إرسال كتاب يؤكد فيه على إسحاق بامتحان البقية وقد فعل، وكان فيهم بشر بن وليد، وعلي بن أبي مقاتل، وحسان الزيادي فأجابوا بأن القرآن كلام الله، والله خالق كل شيء، ومثل هذه الإجابات التي لا تصرِّح بأن القرآن مخلوق أو هو صفة، وكان فيهم أيضا الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح اللذان صرحا بأن القرآن صفة لله غير مخلوق.

لم يرض المأمون بهذه الإجابات وأمر إسحاق أن يشدد عليهم هذه المرة حتى يقولوا بالقول الذي يرضاه، فما كان منهم إلا أن رضخوا إلى ذلك إلا أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح فتوجهوا بهما إلى طرطوس حتى يأتيهما المأمون فينظر في أمرهما.

ولما علم الإمام أحمد خطورة هذه المقابلة عليه وعلى دينه بات قائمًا متضرعًا لله عز وجل داعيًا إياه أن لا يُقدِّر له لقاءه فاستجاب الله دعاءه، وجاءه خبر وفاة المأمون، فأُعيدا إلى المدينة وحبسا هناك حتى تستقر أمور الخلافة من جديد.

والٍ جديد يأتي متحمسًا لمواصلة ما بدأه أخوه خاصة بعد التأكيد عليه في الوصية واستمرار التشجيع من رءوس الاعتزال الذين يحيطون به، لذلك استدعى المعتصم -الخليفة الجديد للدولة- أحمد بن حنبل بعد أن بقي وحده بموت محمد بن نوح، وأمر به فسجن وحده، ثمانية وعشرين شهرًا وقيل ثلاثين، حتى مرض فيه مرضًا شديدًا، وكان رؤوس الاعتزال يأتونه ليناظروه فيدحض حججهم كل مرة بالقرآن والسنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت