الصفحة 59 من 118

استمرت المناظرات بالسجن ولم تكن لها إلا نتيجة واحدة وهي غلبة الإمام أحمد، فدعى المعتصم حينها إلى مناظرة علنية تفصل في الأمر، جمع لها رؤوس الاعتزال الجلادون استعدادًا لمعاقبة أحمد إن لم يرضخ لهم.

بدأت المناظرة بمحاولات المعتصم لاستمالة الإمام ولكنه صابر ومحتسب لا يتزحزح، ثم جاء بقية المعتزلة كلٌّ يحاججه وهو يأتيهم بالرد من كتاب الله وسنه رسوله، وطال الأمر حتى استمرّ ثلاثة أيام فأمر به الخليفة أن يجلد فأخذ الجلّادون في ضربه بالسياط، يتناوبون على ضربه؛ هذا يضربه سوطين والآخر ثلاثة وهكذا، حتى إذا بلغ سبعة عشر سوطًا قام إليه المعتصم وقال له: يا أحمد علام تقتل نفسك؟! إني والله عليك لشفيق، ثم جلد مرة أخرى وقال له المعتصم: أجبني إلى شيء فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي، ومع ذلك الإمام صامد يحتسب عذابه في سبيل الله عز وجل.

لما بلغ التعذيب من الإمام مبلغه حتى أغمي عليه أطلق المعتصم سراحه خوفًا من ثورة أتباع الإمام عليه، وبقي يطبب في بيته وتداوى جراحه حتى شفي ورجع إلى الصلاة في الجامع وتحديث الناس والفتوى، وانتهت هذه الصفحة بموت المعتصم، ولكن صفحة

المحنة لم تمت معه، فقد ورث ابنه الواثق الخلافة، وكان من أشد القائلين ببدعة خلق القرآن إذ قد تربى في حجر قاضي المحنة أحمد بن أبي دؤاد فكبر معتقدًا لها مدافعًا عنها وأجبر الناس جميعًا عليها وبلغت المظالم في عهده ذروتها حتى أن نفرًا من أهل بغداد بقيادة نصر بن أحمد الخزاعي اتفقوا على الخروج عليه واستفتوا الإمام أحمد في ذلك فلم يأذن لهم وأمرهم بالصبر.

خرج الإمام أحمد بعد ذلك هاربًا من الفتنة واختبأ حتى لا يعلم مكانه وظلّ كذلك شهورًا حتى أتاه خبر هلاك الواثق وقد كانت موجة التعذيب والظلم قد هدأت في آخر حياته بعد أن سمع أحد الشيوخ يرد على ابن أبي داؤد فيقول: هذا الذي تقوله من خلق القرآن شيء علمه رسول الله عليه الصلاة والسلام وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أو جهلوه؟

فقال: بل علموه.

قال: فهل دعوا إليه الناس كما دعوتهم أنت أو سكتوا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت