الصفحة 60 من 118

قال: بل سكتوا

قال: فهل وسعك ما وسعهم من السكوت؟ فسكت ابن أبي داؤد وأعجب الواثق بكلامه وأمر بإطلاقه وقام وهو يقول: هلا وسعك ما وسعهم؛ يكرر هذه الكلمة، فكأنها وقعت في قلبه فأحجم عما كان يمارسه من تعذيب.

تولى الخلافة بعد الواثق المتوكل وكان على منهج السلف متبعًا للسنة، فرفع الله به الغمة وأذن بالفرج وانتهت معه محنة كادت أن تذهب بأصول الإسلام ومنهجه.

هذه المحنة تعتبر من أشد المواقف التي مرّ بها الإسلام لعدة أسباب:

أولًا:"أن هذه المحنة كانت في باب العقيدة أي في صميم قلب الأمة، وفي أصل قوتها ومصدر عزتها."

ثانيًا: أن الدولة بكافة أجهزتها ورجالها وقوتها كانت تدعم هذه المحنة، حيث استطاع بعض أهل الاعتزال مثل بشر المريسي وأحمد بن أبي دؤاد وغيرهما من خداع ثلاثة خلفاء عباسيين متتاليين وهم: المأمون ثم المعتصم ثم الواثق، وإقناعهم بتبني عقيدة الاعتزال الضالة والمليئة بالبدع الغليظة، وليس فقط مجرد التبني والاعتناق، ولكن إجبار الناس على ذلك الضلال ولو بالقوة وحد السلطة التي لا تطيق عادة أن تخالف أو يتحدى سلطانها أي أحد مهما كانت مكانته وعلمه.

ثالثًا: أن هذه المحنة العاتية لم تكن خاصة بالإمام أحمد وحده، وإن كان قد تحمل عبأها الأكبر وحده، بل كانت محنة عامة وفتنة شاملة، طالت الكبير والصغير، العالم والعامي، الأحرار والعبيد، حتى الأسارى عند الأعداء كانوا يمتحنون على القول بخلق القرآن، فإن أجابوا وإلا تركوا رهن الأسر عند العدو ولم تفتكّهم الدولة.

رابعًا: أن هذه المحنة عندما وقعت لم يصمد فيها سوى الإمام أحمد بن حنبل وبعض العلماء القليلين، أما باقي العلماء فأغلبهم قد أجاب فيها كرهًا وبعضهم قد مات تحت وطأة التعذيب في سجن المبتدعة مثل البويطي ومحمد بن نوح ونعيم بن حماد، وكان صمود الإمام أحمد أعظم فصول هذه المحنة، وسبب تقدمه وشهرته ورفع ذكره، حتى صارت الإمامة مقرونة باسمه في لسان كل أحد فيقال: قال الإمام أحمد وهذا مذهب الإمام أحمد، ولو قدر الله عز وجل ولم يصمد الإمام أحمد في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت