فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 144

وبحسب ذلك فليكن في عتابه، فإن كثرة العتاب سبب للقطيعة، وإطراح جميعه دليل على قلة الإكتراث بأمر الصديق. وقد قيل:"علة المعاداة قلة المبالاة".

بل تتوسط حالتا تركه وعتابه، فيسامح بالمتاركة ويستصلح بالمعاتبة، فإن المسامحة والإستصلاح إذا إجتمعا لم يلبث معهما نفور، ولم يبق معهما وجد.

وقد قال بعض الحكماء: ـ

لا تكثيرن معاتبة إخوانك، فيهون عليهم سخطك.

وقال منصور النمري: ـ

أقلل عتاب من إستربت بوده ... ليست تنال مودة بعتاب

وقال بشار بن برد: ـ

إذا كنت في كل الأمور معاتبًا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه

وإن أنت لم تشرب مرارًا على القذي ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه

فعش واحدًا أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه

قال العلامة محمد الغزي العامري [1] (ت سنة 984 هـ) رحمه الله تعالى: ـ

فالعاقل يتوخى بمزحه إحدى حالتين: إما إيناس المصاحبين، والتودد إلى المخاطبين، وهذا يكون بما أنس أنس من جميل القول، وبسط من مستحسن الفعل كما قال سعيد بن العاص [2] لابنه: إقتصد في مزحك فإن الإفراط فيه يذهب البهاء، ويجريء السفهاء، وإن التقصير فيه يغض عنك المؤانسين ويوحش منك المصاحبين.

وإما أن ينفي بالمزاج ماطرأ عليه من سأم، أو حدث من سأم، أو حدث به من هم وغم فقد قيل: لابد للمصدور أن ينفث.

وأنشد أبو نواس: ـ

أروح القلب ببعض الهزل ... تجاهلًا مني بغير جهل

(1) ـ المراح في المزاح (ص/10 - 12) للعلامة بدر الدين أبي البركات محمد الغزي (904 - 984 هـ) .

(2) ـ أبو عثمان سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص الأموي. صحابي من الأمراء الفاتحين (3 - 53 هـ) كان مشهورًا بالكرم والبر حليمًا وقورًا ومن كلامه: لا تمازح الشريف فيحقد عليك، ولا تمازح الدنيء فتهون عليه. ترجمته في: طبقات ابن سعد (5/ 372) وجمهرة الأنساب (254) ، والإصابة (ت/5443) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت