فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 144

والصيام إمساك عن الطعام والشراب وجميع الشهوات في زمان مخصص.

والحج مناسك معينة لها رسومها وأوقاتها وأماكنها وأركانها وشروطها، وهكذا ...

ومن الواضح أنها ليست كالعقائد أي ليست حقائق واقعية"مهمة المشرع"أن يكشف عنها، فإنما هي صورة ركبها وهيأها ورسمها وأنشأها بعد أن لم تكن، وهذا محض حقه باعتباره هو الإله المعبود فمن حقه أن يشرع لعباده ما يعبدونه به، وعليهم أن يرجعوا إليه في معرفة ذلك كمًا وكيفًا ومكانًا وزمانًا ولهذا يقول أهل الشريعة في إحدي قواعدهم المشهورة."لا يعبد الله إلا بما شرع".

فالأصل في العبادات والقرب أنها ممنوعة حتى يرد من الشارع ما يدل على طلبها، ويبين لنا هيئتها ورسومها الخاصة ولا يجوز لأحد أن يؤلف عبادة من عنده أو يتصرف في صورة من العبادة المشروعة ثم يعبد الله بذلك، وفي هذا يقول القرآن الكريم ناعيًا على المشركين"أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ" (الشورى /21) .

وبهذا الأصل أبطلت البدع في الدين والعبادات ما يتصل بها فكل من أراد القربة فعليه أن يتقرب إلى الله بما شرعه، ومن تقرب إليه بما لم يشرعه، ولو كان مظهره طاعة وقربة، فإنه مبتدع متلاعب بالدين.

ومثل ذلك كما لو قال قائل: سأصلي الظهر خمسًا بدل أربع، أو أصلي المغرب أربعًا بدل ثلاث، أو أجعل الركعة ذات ركوعين بدل ركوع واحد، أو أتجه إلى بيت المقدس، أو إلى المدينة بدل اتجاهه إلى الكعبة، وأصوم شعبان بدل رمضان، أو نحو ذلك فكل هذا افتئات على الدين وباطل شرعًا، وعلى حق المعبود ـ جل جلاله ـ أن يضع أسلوب عبادته، ولا يرضي سواها.

وأما موقف المشرع في ميدان المعاملات فهو موقف الناقد المهذب، ويختلف إختلافًا جوهريًا عن موقفه في كل من ميدان العقائد، وميدان العبادات، إن الشريعة ليست هي التي أنشأت للناس صور للتبادل والتعاون والتعامل، ولكنها جاءت فوجدت صورًا يتعامل الناس بها فكان لها موقف منها، غير موقف الإنشاء والرسم غير موقف الأخبار والوصف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت