الأعمال وخفايا آفات النفوس، ومن إفراطها تصدر الجريرة [1] والمكر والدهاء، ومن تفريطها يصدر البله [2] والحمق والجنون وأما الشجاعة: فيصدر منها الكرم والنجدة، والشهامة والإحتمال والحلم والثبات وكظم الغيظ والوقار والتودد وأمثالها، وإفراطها وهو التهور يصدر منه الصلف والبذخ والتكبر والعجب، وتفريطها تصدر منه المهانه والذل والجزع والخسه وصغر النفس والإنقباض عن تناول الحق الواجب.
وأما العفة: فيصدر منها السخاء والحياء والصبر والمسامحة والقناعة والورع واللطافة والظرف وقلة الطمع، وميلها إلى الإفراط أو التفريط يحصل منه الحرص والشره والوقاحة والخبث والتبذير والتقصير، والرياء والهتكة والمجانة والعبث والملق والحسد والشماتة والتذلل للأغنياء، وإستحقار الفقراء وغيرها
فأمهات محاسن الأخلاق هذه الفضائل الأربع وهي: ـ
الحكمة، والشجاعة، والعفة، والعدل والباقي فروعها، ولم يبلغ كمال الإعتدال فيها إلا رسول الله صلي الله عليه وسلم.
وقال الغزالي [3] "إن الإمساك حيث يجب البذل بخل، وأن البذل حيث يجب الإمساك تبذير، وبينهما وسط هو المحمود، وهو الجود او السخاء أو الكرم، وإذا لم يؤمر رسول الله صلي الله عليه وسلم إلا به، وقد قال تعالى:"
"وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ" (الإسراء /29) .
وقال تعالى"وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا" (الفرقان /67) .
فالجود وسط بين الإسراف والإقتار وبين البسط والقبض.
وردد الفكرة نفسها في كتاب آخر [4] فقال: ـ
إن الحكمة فضيلة القوة العقلية، والشجاعة فضيلة القوة الغضبية، والعفة فضيلة القوة الشهوانية، والعدالة: وقوع هذه القوي على الترتيب الواجب.
(1) ـ الخبث والخداع.
(2) ـ الغفلة.
(3) ـ إحياء علوم الدين (3/ 225) .
(4) ـ ميزان العمل (67 - 74) للغزالي.