? وأما كِتمانُ الحَيْض؛ وذلك بأنْ تخبر أنَّ الحَيْضات الثلاث قد أتتها - كَذِبًا منها واستعجالًا لانتهاء العِدَّة - فهذا يؤدي إلى انقطاع حق الزوج عنها، وإباحة نفسها لغيره، وما يَتفرع عن ذلك مِن الشَر الذي ذكرناهُ من اختلاط الأنساب وغير ذلك، وأما إنْ أخبرَتْ بعدم اكتمال الحَيْضات الثلاث (وهنّ قد اكتملنَ) - كَذبًا منها لتطويل العِدَّة - حتى تأخذ مِن الزوجِ نفقة غير واجبة عليه، بل هي حرامٌ عليها، وربما راجَعَها وهو لا يَعلم بمرور الحَيْضات الثلاث، فيكونُ ذلك زنًا؛ لِكَوْنِها أصبحتْ أجنبية عنهُ، فلهذا قال تعالى: {إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} لأنَّ صُدُورَ الكِتمان مِنهُنَّ: دليلٌ على عدم إيمانِهنَّ باللهِ واليوم الآخر، وإلاَّ، فلو آمَنَّ باللهِ واليوم الآخِر، وَعَرَفنَ أنهنَّ مَجْزيَّاتٌ عن أعمالِهنَّ: لم يَصدرْ مِنهُنَّ ذلك الكِتمان.
{وَبُعُولَتُهُنَّ} : يعني وأزواج هؤلاء المطلقات {أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} : يعني لهم الحق في مُراجعتِهنَّ في ذَلِكَ الوقت (وهو وقت الانتظار أو وقت العِدة) وذلك بأن يقول لها: (راجَعْتُكِ) ، أو يُجامِعَها، هذا {إِنْ أَرَادُوا} بتلك المُراجَعَة: {إِصْلاحًا} وخيرًا، ولا يَحِلُّ أن تكونَ المُراجَعَة بقصدِ الإضرار - تعذيبًا لهُنَّ بتطويل العِدَّة - وذلك بأن يُطلِقها، ثم ينتظر إلى قبل انتهاء العِدَّة فيُراجعها، ثم يَعُودُ فيُطلقها مرة أخرى وهكذا، {وَلَهُنَّ} مِن الحقوق والواجبات {مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ} للزوج {بِالْمَعْرُوفِ} : يعني على الوجه المُستَحْسَن شَرْعًا وعُرفًا، وقد قال ابنُ عباس رَضِيَ اللُهُ عنهما في هذه الآية:"إني لأحِبُّ أن أتزيَّنَ لامرأتي، كما أحِبُّ أن تتزينَ لي"، {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} أي مَنزلة زائدة، مِن القوامَة على البيت، ومِلكُ الطلاق، ومَنصِبُ النُّبوة والقضاء والإمامة، وغير ذلك، {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم} .
الآية 229: {الطَّلاقُ} الذي تحصُلُ بهِ الرَجْعَة {مَرَّتَانِ} {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ} : أي فحُكْمُ اللهِ بعدَ كلِ طلقةٍ منهما هو: مراجعة المرأةِ بالمعروف (يعني يُحسِن معاملتها بعدَ مُراجَعتِها) ، {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} : يعني أو تَخلِيَة سبيلِها، معَ حُسْن مُعاملتِها - بأداءِ حقوقِها، وألاَّ يَذكُرهَا مُطلِّقُهَا بسُوء، {وَلا يَحِلُّ لَكُمْ} أيها الأزواج {أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} مِن المَهْر ونحوه، إلا في حالةٍ واحدة وهي: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا} أي الزوجان {أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} : يعني ألاَّ يَقوما بالحقوق الزوجية، وألاَّ يقوما بما يَجب عليهما مِن طاعةِ الله تعالى واجتناب مَعصيتِه، أو أن تكرَهَ المرأة زوجَها ولا تُطِق البقاءَ معه، فحينئذٍ يَعرضان أمرَهُما على أولياء الزوج والزوجة، أو القاضي، {فَإِنْ خِفْتُمْ} أيها الأولياء {أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} أي فلا حرجَ على الزوجين فيما تدفعُهُ المرأة للزوج مقابل طلاقِها، وهو ما يُسَمَّى بـ (الخُلع) ، ويكونُ الزوجُ في هذه الحالة غيرُ ظالمٍ لها في أخْذِ هذا المال لأنها دفعتهُ له برضاها، (واعلم أنّ عِدَّة المُختلعَة: ثلاثة قروء مثل عِدَّة المُطلقة، وهذا هو قول الجمهور) .