{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} : أي اطلبوا شهادة رجلين مُسلِمَيْن بالِغَيْنِ عاقلَيْن مَشهود لهما بالعدل، (واعلم أن العدل يُشترَط فيهِ العُرف في كل مكان وزمان، فكل مَن كان مَرْضِيًّا مُعتبَرًا عند الناس: قُبِلَتْ شهادته) {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} {أَنْ تَضِلَّ} : يعني حتى إذا نَسِيَتْ {إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} أي فتُذكِّرها الأخرى، {وَلَا يَأْبَ} : يعني ولا يَمتنع {الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} ليَشهدوا وقت كتابة الدَيْن (وكذلك عليهم أداء الشهادة إذا طُلِبَ منهم ذلك في أيّ وقت) .
? واعلم أنَّ قوله تعالى: {إِذَا مَا دُعُوا} فيه دليل على أنه لا يَجب على الشاهد أن يَشهد إلا إذا دُعِيَ إلى الشهادة، ولكنْ وَرَدَ في السُّنَّة: (الترغيب في أداء الشهادة ولو لم يُدْعَ إليها المسلم) ، خاصةً إذا توقف على شهادته إثباتُ حق من الحقوق، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم: (أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا) .
{وَلَا تَسْأَمُوا} : يعني ولا تمَلوا {أَنْ تَكْتُبُوهُ} - أي الدَّيْن - سواء كانَ {صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ} يعني إلى موعد السداد، {ذَلِكُمْ} أي الكتابة مع الإشهاد {أَقْسَطُ} : أي أعدل {عِنْدَ اللَّهِ} في شرعِهِ وهَدْيِه، {وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ} : أي وأعظمُ عَونًا على إقامة الشهادة وأدائها، وأثبَت لها وأكثر تقريرًا؛ لأن الكتابة لا تُنسَى، والشهادة تُنسَى، أو قد يموت الشاهد، أو يَغيب عن الإدلاء بشهادته، {وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} : يعني وأقرب إلى نفي الشك في قيمة الدَّيْن وموعد سداده، بخلاف الإشهاد بدون كتابة {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} : يعني إن كانت المسألة مسألة بيع وشراء، وذلك بأخذ سلعة ودفع ثمنها في الحال: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا} : يعني فلا حاجة إلى الكتابة، {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} : أي ورغم أنه لا حرج أو إثم يَترتب على ترْك الكتابة في البيع، إلا أنه يُستحَب الإشهاد على تلك التجارة؛ مَنعًا للنِّزاع والخِلاف، مِثل أن يبيع أحدٌ دارًا أو بستانًا لأحد، أو غير ذلك.
{وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} : أي واعلموا أنه لا يَجُوز لصاحب الحق ومَن عليه الحق: الإضرار بالكُتَّاب والشهود، وذلك بأن يُكلفوهم ما لا يَقدرون عليه، كأنْ يَدعوهم ليَشهدوا ويَكتبوا في مكان بعيد، أو أن يَطلبوا منهم أن يَكتبوا زُورًا أو يَشهدوا به، أو أن يُلزِموهم الكتابة والشهادة وهم في أشغالهم، فإذا تَعَذَّرَ ذلك منهم لانشغالهم، فليَطلُبا كاتبًا وشاهدًا غيرهما، وكذلك لا يجوز للشاهد والكاتب أن يُضِروا بصاحب الحق، وذلك بالامتناع عن الكتابة والشهادة بدون عذر.