الصفحة 88 من 90

{وَإِنْ تَفْعَلُوا} ما نُهِيتم عنه {فَإِنَّهُ فُسُوقٌ} - أي خروج عن طاعة اللهِ - وعاقبة ذلك الفسوق سوف تَحِلُّ عليكم، وتلحق {بِكُمْ} {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} : يعني وكما عَلَّمَكم اللهُ هذا العِلم النافع، يُعلمكم جميع ما يُصلِح دُنياكم وأُخراكم، واعلم أنَّ قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} : فيه وَعْدٌ منه تعالى بأنْ يَجعل للمُتقي نورًا في قلبه، يَفهمُ به ما يَتلقاهُ من العلم فهمًا صحيحًا، قال تعالى: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} أي نورًا وعِلمًا تُفرقون بهِ بين الحق والباطل، والهُدى والضلال، والسُنَّة والبِدعة، والحلال والحرام {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} .

الآية 283: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ} : يعني وإذا كنتم مُسافرينَ {وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا} يَكتب لكم، أو لم تجدوا أدوات الكتابة: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} : يعني فليَضَعِ المَدِين عندَ صاحب الحق شيئًا يَقبضه منه، ويكونُ رَهنًا عنده حتى يأتيه حقه، {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} : يعني فإنْ وَثَقَ بعضكم ببعض، فلا حَرَجَ في ترْك الكتابة والإشهاد والرَّهن، {فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} : أي ويَبقى الدَّيْن أمانة في ذمَّة المَدِين إلى أن يؤديه لصاحب الحق (وعلى هذا فإذا وُجِدَ الأمانُ والثقة بين الدائن والمَدِين، فلا تَجِب الكتابة، بل تُستَحَب فقط) .

{وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} : يعني ويَجِب على المَدِين أن يَخافَ اللهَ تعالى ولا يَخونَ صاحبه، فإذا أنكَرَ الدَيْن الذي عليه، وكانَ هناك مَن حضر وشهد، فعليه أن يُظهِر شهادته، {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ} {وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} : أي فهو صاحبُ قلبٍ غادر فاجر، (وقد نُسِبَ الإثم إلى القلب؛ لأن الكِتمان مِن عمل القلب) ، {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} ، وقد اشتملت هاتان الآيتان على حِكَمٍ عظيمة، ومصالحَ عَميمةٍ، دَلَّتْ على أنّ الخَلق لو اهتدوا بإرشاد اللهِ لهم، لَصَلحَ دِينهم ودنياهم، فقد اشتملتْ على العَدل والمَصلحة، وحِفظ الحقوق وقطع المُشاجَرات، وانتظام أمْر المَعاش، فللهِ الحمدُ كما يَنبغي لجلال وجهه وعظيمِ سلطانه.

الآية 284: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} مُلكًا وتدبيرًا وتصَرُّفًا وإحاطة، فهو سبحانه لا يَخفَى عليه شيء، {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} لا يُعجِزُهُ شيء، فأحكامُهُ تعالى تدور بين العدل والفضل، والجميع مِلكُهُ وعبيده، وهم طَوْعُ قهْرِهِ ومشيئتِهِ وتقديرِهِ وجزائِه، (وقد أكرم اللهُ المسلمين بعد ذلك فعفا عن حديث النفس وخَطَرات القلب، ما لم يَتْبَعها كلامٌ أو عمل، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، وفي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لمَّا نزلتْ: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} : (دخلَ قلوبَهُم منها شيء) - أي كأنهم شَقَّ عليهم أن يُحاسبهم اللهُ على ما يدور في أنفسهم -، فقال النبي صلى الله عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت