والبعد الفردي يتضمّن تعريف الإنسان بذاته (الأنا الاختيارية) ، وبأهدافه في الحياة، وبالمعايير التي تشكّل المرجع لديه وتضبط دوافعه.
والبعد الجماعي يعني الانتماء إلى"جماعة"، وهو يتضمّن تعريف الإنسان بذاته من حيث هو منتمٍ إلى جماعة (نحن الاختيارية) .
والهوية الإسلامية في بُعدها الفردي تزوّد الفردَ بالإجابات الواضحة عن أسئلته حول هويّته الفردية: من هو؟ وما هي أهدافه؟ وما هو"المعيار"الذي يهواه فؤاده ويرجع إليه في أموره؟
فأمّا"المعيار"الذي يهواه فؤاده ويعرّفه بذاته وأهدافه فهو"الإسلام"، وتبيّنه الآية الكريمة: {قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرّنا ونُرَدُّ على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوتْهُ الشياطينُ في الأرض حيرانَ له أصحابٌ يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأُمِرْنا لنسلم لربّ العالمين} (الأنعام: 71) .
وحين يعرّف المسلم ذاته فهو يقدّم نفسه بحقيقته الأسمى التي يعتز بها ويفخر: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين} (فصّلت: 33) . فيقول: أنا مسلم، أو: إنّني من المسلمين. وهو تعريف بذاته"الاختيارية"التي يعتز بها، وأما قِوامه"الجبري"أو"الوراثي"الذي لم يكن له فيه أي اختيار كالتعريف"بالوطن"الذي ولد فيه، أو"بالقوم"الذين انتسب إليهم، فهو ليس تعريفا بالهوية، وإنما هو تعريف بالوطن الذي ولد فيه، أو هو تعريف بالقوم الذين انتسب إليهم فحسب. وسنبيّن - بإذن الله - مقدار التلبيس الذي يحدثه من يريد أن يُدخل"الوطنية"أو"القومية"في هوية المسلم.
وأما"الأهداف"التي يستقيها من هذا المعيار فالمسلم المتشبّع بفهمه وممارسته لدين الله عزّ وجلّ يعلمُ أن"العبادة"هي الغاية الكبرى لخلقه:"وما خلقتُ الجن والإنسَ إلا ليعبدون (الذاريات: 56) . فيتحرّك في مجتمعه ليعمر الأرض بمقتضى المنهج الرباني، ويكون كل نشاط له وكل سلوك مسبوق بالسؤال: كيف يكون هذا النشاط أو ذلك السلوك عبادةً لله تعالى؟"
بهذا المفهوم الإسلامي تتحقّق"الشرعية"في مفهوم الهوية عند المسلم، فتتّضح وتتبلور في عقله دون لبس أو كدر يشوب صفاءها.
والهوية الجماعية للأمّة الإسلاميّة هي: الاجتماع على الإسلام والانتساب إلى الشرع، وهي التي تتحقّق بها"شرعيّة التجمّع"في الإسلام، وغيرها من الهويات التي يتجمّع حولها الناس كالوطنية والقومية لا شرعية لها، وإنّما هي شرعيّة واحدة لا ثاني لها، وهذا هو موضوع بحثنا الذي يدور حوله الكتاب كله، والذي استفضنا في جلب الشواهد والأدلة عليه.
وتظهر الهوية الجماعية للأمّة بأبهى حلّة وأنقى صورة في هذه الآيات الكريمات التي نقدّمها ثم نشرع في بيان معاني الهوية التي تتضمّنها، مع بيان مفهوم"الولاء"وارتباط مفهوم الهوية به، وبيان مفاهيم"الجماعة"و"الأمة"في الإسلام:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ