الصفحة 89 من 92

يقول المؤرخ"برنارد لويس":"كلّ باحث في التاريخ الإسلامي يعرف قصة الإسلام الرائعة في محاربته لعبادة الأوثان منذ بدء دعوة النبي (صلّى الله عليه وسلّم) ، وكيف انتصر النبي (صلّى الله عليه وسلّم) وصحبه، وأقاموا عبادة الإله الواحد التي حلّت محلّ الديانات الوثنية لعرب الجاهلية، وفي أيّامنا هذه تقوم معركة مماثلة أخرى، ولكنها ليست ضدّ اللات والعزى وبقية آلهة الجاهليين، بل ضدّ مجموعة جديدة من الأصنام إسمها: الدولة، والعنصر، والقومية."

وفي هذه المرة يظهر أنّ النصر حتى الآن هو حليف الأصنام، فإدخال هرطقة القومية العلمانية، أو عبادة الذات الجماعية كان أرسخ المظالم التي أوقعها الغرب على الشرق الأوسط، ولكنّها مع كلّ ذلك كانت أقل المظالم ذكرًا وإعلانًا .."ا. هـ."

ويقرّر نفس المؤرخ حقيقة ناصعة فيقول:"فالليبرالية، والفاشية، والوطنية، والقومية، والشيوعية، والاشتراكية، كلها أوروبية الأصل مهما أقلمَهَا وعدَّلها أتباعها في الشرق الأوسط" [1] .

وهذه الحقيقة قد تبيّنت لنا حين راجعنا الخلفيّة التاريخيّة لانحراف الهويّة الإسلاميّة في فصل سابق، وهي أنّ الوطنيّة والقوميّة ما هي إلا بضاعة غربيّة لا تمتّ بصلة إلى التاريخ الإسلاميّ العريق فضلا عن أن يكون لها صلة بالإسلام كما يريد بعض الناس!

والمسلمون اليوم هم في طريق العودة إلى هويّتهم التي ضاع ألقها بين الهويّات الجاهليّة الضاربة أطنابها في عالم الناس اليوم. وقد تبدّت آثار ضعف هذه الهويّة بين المسلمين في مظاهر كثيرة:

لقد تبدّت بانسلاخ الكثير من أبناء هذه الأمّة من انتمائهم الإسلامي ليكون انتماؤهم الذي يعلونه فوق كلّ شيء هو الانتماء"للوطن"أو الانتماء"للعروبة"، حتّى قال قائلهم:"أنا عربي يا جحش"! مفاخرًا بها ومعتزّا على من ينادي بالهويّة الإسلاميّة، مع أن العزّة لا تكون إلا لله ولرسوله وللمؤمنين.

ولقد تبدّت باتباع المذاهب والأفكار الغربية اللادينيّة من علمانية وشيوعية ولبراليّة واشتراكية وغيرها من الأفكار الجاهلية التي جاءت مع الغزو الفكريّ للأمّة الإسلاميّة.

ولقد تبدّت في موالاة أعداء الله الكفّار، والاستعانة بهم على المسلمين كما حدث في كثير من بلدان العالم الإسلاميّ من قبل من يتحكّم في بلاد المسلمين من أذناب الغرب وعملائهم.

ولقد تبدّت في قبول النفوذ الغربي في بلاد المسلمين لتحصيل مصالح دنيويّة، وتمكينهم من السيطرة على وجهة البلاد الإسلامية في جميع النواحي؛ السياسية، والاجتماعية، والتربوية، والتعليمية، والاقتصادية.

ولقد تبدّت في التقليد الأعمى لكلّ ما يأتينا من الغرب من أزياء وشعارات وعادات وأعياد ومناسبات، حتّى صار العالم الغربيّ هو محور تطلّعات الكثير من أبناء المسلمين وبناتهم؛ فيكون الجديد فيه من العادات والشعارات والأزياء

(1) نقلا عن"هويّتنا أو الهاوية"للدكتور محمد إسماعيل المقدّم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت