الهوية لغةً تُدور حول معنيَيْن في الغالب:
من"الهَوى"وهو: الميل أو العشق، وهَوِيَ فلانٌ فلانًا - هَوًى: أحبّه. فهو: هَوٍ. وهي: هَوِيّةٌ [1] .
والمعنى الآخر من لفظ الضمير الغائب"هُوَ"، وقد ورد في حديث أمّ المؤمنين صفيّة بنت حييّ بن أخطب - رضي الله عنها - أنها قالت:"كنت أحب ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولدهما إلا أخذاني دونه، فلما قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة ونزل قباء غدا عليه أبي وعمي مغلسين، فلم يرجعا حتى كان مع غروب الشمس، فأتيا كالّين ساقطين يمشيان الهوينى، فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إليّ واحد منهما مع ما بهما من الغم، وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي:"أهو هو؟"قال:"نعم والله"، قال عمي:"أتعرفه وتثبته؟"قال:"فما في نفسك؟"أجاب:"عداوته والله مابقيت" [2] ."
والمعنى الاصطلاحي هو حقيقة مركبّة من عموم المعنيين اللفظيين اللذين أوردناهما، فمن معنى"الهوى"يكتسب معنى"الاستقطاب"، فالهويّة هي الشيء الذي تهواه أفئدة الجماعة أو الأمة، أو هي ما يستقطبها. ومن معنى اللفظ"هُوَ"يكتسب معنى"التميّز"ومعنى"المطابقة"، فكما ورد في الحديث فإن السائل أبا ياسر يسأل:"أهو هو؟"، فيُفهم أنه أراد التأكد من مطابقة من رآه حييُّ بن أخطب لشخصية الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وكذلك يُفهم أنه سأله عمّا يميّز الرسول صلّى الله عليه وسلّم عن غيره إذ قال له:"أتعرفه وتثبته؟"، فما كان ليعرفه ويثبته لولا أنه يميّزه بصفات محددة عن غيره. وجاء في المعجم الوسيط عن معنى الهوية أنها:"حقيقة الشيء أو الشخص التي تميّزه عن غيره" [3] .
وبناء على ذلك، وعلى استقراء معاني الهوية التي تدور حولها التعريفات الاصطلاحية فإن الهوية: حقيقة ذاتية تشكّل محور استقطاب للأمة أو للفرد وتميّزهما عن غيرهما.
والهوية الأصيلة هي التي تعبّر عن الكيان الاختياري للإنسان، وهي التي تنطوي على مضمون قيميّ مبدأيّ، فتجيب عن الأسئلة: من نحن؟ وماذا نريد؟ وكيف نحقّق ما نريد؟ وهذه الأوصاف للهوية الأصيلة لا تتحقق في الهويات المنتشرة بين أبناء الأمة الإسلامية إلا في هوية واحدة؛ هي الهوية الإسلامية. ذلك أنّها هي وحدها التي تعبّر عن الكيان الاختياري للإنسان (بينما الهويات القومية والوطنية تعبّر عن الكيان الجبري للإنسان: قومية، لغة، عرق، وطن) ، وأنها هي وحدها التي تنطوي على مضمون قيميّ مبدأيّ ممّا سوف يأتي بيانه إن شاء الله.
والهوية الإسلامية لها بعدان: البعد الفردي، والبعد الجماعي.
(1) المعجم الوسيط.
(2) السيرة النبوية لابن هشام.
(3) المعجم الوسيط.